السودان الان السودان عاجل

موقع : إخوان السودان… “غُولٌ” واحدٌ بوجوه متعددة

مصدر الخبر / السودان نيوز

مُنذ إطلاقها استنساخاً من (أُمّها) المصرية أواخر أربعينيات القرن الماضي بوساطة “علي طالب الله وجمال السنهوري”، انشقّت جماعة الإخوان المسلمين السودانية عن نفسها عدة مرات، ابتداءً من عام 1949، حين انسلخ عنها الحزب الاشتراكي الإسلامي بقيادة ميرغني النصري وبابكر كرار، لكن ظلّ الحزب على مبادئ الجماعة إلى أن اندثر بتقادم الوقت.

انقسامات جماعة الإخوان (فرع السودان) ليست كلها ناجمة عن خلافات حقيقية، فالكثير منها تكتيكية ذات صلة بمتطلبات الفعل السياسي الماثل.

من وراء ستار

انتظرت الجماعة زهاء (15) عاماً على انقسامها الأول، والذي لم يكن له أثرٌ ودويّ كبير في الساحة السياسية، إلى أن أطاحت ثورة تشرين الأول (أكتوبر) 1964 بنظام الفريق إبراهيم عبود، فقرر العضو النشط والأكثر فعالية وكاريزما حسن عبد الله الترابي تلبيس جماعته ثوب الثورة والعمل على (سرقتها) وتجييرها لصالحه، فأعلن عن ميلاد حزب إخواني جديد تحت اسم (جبهة الميثاق الإسلامي) ليكون مناسباً للمرحلة الديمقراطية الجديدة، وإن كان برر انسلاخه عن الجماعة بـ”ضيق البنية التنظيمية والفكرية للجماعة الأم في مصر”، فكسب بجانبه بعض السلفيين وتحالف مع الطريقة التيجانية الصوفيّة.

حسن عبد الله الترابي
حسن عبد الله الترابي

بطبيعة حال حسن الترابي، فإنّه يفضل إدارة أيّ كيان يؤسسه من وراء ستار بداية، ثم ما إن تترسّخ أقدامه حتى يعلن نفسه زعيماً عليه، فمثلما فعل مع رفيق دربه محمد صالح عمر حين سمح له بتولي رئاسة المكتب التنفيذي لجبهة الميثاق الإسلامي لأعوام قليلة، فقد أزاحه عبر انتخابات صورية ـ كما هي عادة الجماعة ـ وأصبح أميناً عاماً للجبهة، الأمر الذي أغضب (عمر)، فانسلخ مُجدداً وغادر (الميثاق) رفقة كثيرين إلى خط الجماعة الأم بمصر.

سياسة التمكين

انقلب جعفر النميري على الحكومة المدنية عام 1969، بعد أشهر من تسلم حسن عبد الله الترابي رئاسة الأمانة العامة لجبهة الميثاق الإسلامي، التي تمثل الانقسام الثاني والأكبر بجماعة الإخوان السودانية.

بدأ الترابي يناوئ نظام النميري، فتم اعتقاله وزُجّ به في سجن (كوبر) الشهير (7) أعوام، فيما جبهة الميثاق التي يترأسها مستمرة في معارضة النظام من الداخل والخارج، لكنّ الترابي وبعض أطياف المعارضة أبرموا صفقة مع النميري؛ تم بموجبها إطلاق سراحه 1977.

وهنا بدأ الترابي في التخطيط لاستراتيجية جديدة سمّاها (التمكين)، فاستفاد من المصالحة، ليس فقط بتوليه مناصب مهمة وكبيرة التأثير وشديدة الحساسية، مثل رئيس لجنة مراجعة القوانين لأسلمتها 1979، ووزير العدل 1981، ومستشار للرئيس النميري للشؤون الخارجية 1983، بل أيضاً في نشر أفكار الجماعة رأسياً وأفقياً، وتسكين كوادرها في مواقع مفصلية داخل أجهزة الدولة، خصوصاً في الخدمة المدنية والجيش والأمن والشرطة، فضلاً عن الهيمنة الاقتصادية بنشر البنوك الإسلامية، لكنّ النميري خشِي من الرجل، بينما كان نظامه يترنّح، فأعاده إلى السجن مجدداً، قبل أشهر قليلة من سقوط نظامه، فكانت سانحة للترابي ليصوّر نفسه بطلاً عقب سقوط النظام، فسارع إلى تأسيس النسخة الثالثة والمهمة من جماعة الإخوان السودانية، مطلقاً عليها الجبهة الإسلامية القومية (1986- 1989)، وهي التنظيم الذي قاد انقلاباً على النظام الديمقراطي في 30 حزيران (يونيو) 1989، مُعلناً استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة في البلاد، تحت اسم (حزب المؤتمر الوطني) التابع لتنظيم أكبر يحمل اسم (الحركة الإسلامية السودانية).

أميبا إخوانية

الآن صار لدينا نسخ عديدة من الجماعة: (الإخوان المسلمون، الحزب الاشتراكي الإسلامي، جبهة الميثاق، الجبهة الإسلامية القومية، المؤتمر الوطني، الحركة الإسلامية السودانية).

أهدرت الجماعة مرونتها الحركية والدعوية والسياسية؛ بتشبثها غير الضروري ببنيتها التنظيمية التي وضعها روادها الأوائل منذ نحو (9) عقود، دون النظر إلى المُتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي حدثت على المستويين الداخلي والخارجي

اندثر الحزب الاشتراكي، وتطورت جبهة الميثاق إلى الجبهة الإسلامية القومية، ثم المؤتمر الوطني الذي انشق عنه المؤتمر الشعبي بزعامة الترابي، إثر خلافه مع ضابطه في الجيش عمر البشير عام 1999، وعلى رأس هذين الحزبين الإخوانيين تقف الحركة الإسلامية السودانية.

لاحقاً، ولأسباب كثيرة، أهدرت الجماعة مرونتها الحركية والدعوية والسياسية؛ بتشبثها غير الضروري ببنيتها التنظيمية التي وضعها روادها الأوائل منذ نحو (9) عقود، دون النظر إلى المُتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي حدثت على المستويين الداخلي والخارجي، فأضحى هيكلها التنظيمي الكلاسيكي يعاني من الضعف والهشاشة والتخلف عن مقتضيات العصر والشرع معاً؛ حيث بدا عاجزاً عن حمل هذه التغييرات الضخمة؛ ممّا أدّى إلى تفكيك وإضعاف الجماعة بدرجة كبيرة ولافتة في الأعوام الأخيرة من عمر نظام عمر البشير المُسمّى بالإنقاذ الوطني، فبرزت حركة العدل والمساواة المكوّنة من إخوانيين منتمين إلى إقليم دارفور ـ غرب السودان ـ برئاسة الراحل خليل إبراهيم، والتي يتزعمها الآن شقيقه جبريل إبراهيم، وزير المالية الحالي، وهي حركة مقاومة مسلحة كادت تستولي على السلطة بعد تمكنها من دخول أم درمان في أيار (مايو) 2008، لكن تم دحرها في اللحظات الأخيرة.

كما أنّ غازي صلاح الدين العتباني، القيادي البارز، وأحد منظّري الجماعة المخضرمين، ومستشار الرئيس السابق البشير، وعضو المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني، ورئيس كتلته بالبرلمان، انشق عنه أواخر عام 2003 ليعلن عن تنظيم إخواني خاص به تحت اسم (الإصلاح الآن).

خروج أخير

زهاء (9) كيانات، وربّما أكثر قليلاً، إذا أخذنا في الاعتبار أنّ ما يُعرف الآن بالتيار الإسلامي العريض، يُعتبر النسخة الإخوانية الأحدث التي تم إطلاقها عقب انقلاب البرهان على حكومة عبد الله حمدوك في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، وهو الجهة التي يُرجح أنّها تسببت في إشعال الحرب الأهلية الراهنة، وإطلاق سراح السجناء من الجماعة بفتحها المعتقلات والسجون بالتواطؤ مع ضباط إسلاميين بالجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، وما تزال تخوضها وتضغط على قيادة الجيش السوداني بالمضي قُدماً فيها، والعمل المستمر عبر كوادرها الإعلامية والعسكرية المنتشرة في الفضاء الإعلامي العربي كمحللين سياسيين وخبراء استراتيجيين، على تأجيج الحرب والحيلولة دون التوصل إلى صيغة للسلام بين الطرفين المتقاتلين، لأنّ إنهاء الحرب التي تُعتبر الفرصة الأخيرة لعودة الجماعة بإحدى أذرعها الـ (9) إلى الحياة السياسية مجدداً، يعني خروجها الحتمي من المشهد، ومن حيّز التأثير، مرة أخيرة، وإلى الأبد.

موقع حفريات
عبدالجليل سليمان
كاتب سوداني

عن مصدر الخبر

السودان نيوز