السودان الان السودان عاجل

سجناء السودان… الخرطوم عاصمة زنازينها مفرغة

مصدر الخبر / العربي الجديد

عندما استيقظ السودانيون صباح 15 إبريل/ نيسان الماضي على صوت المدافع وقنابل الطائرات التي دشنت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، توقعوا حدوث أزمة في الكهرباء والخبز والمياه، فيما تخوّف بعضهم من احتمال أن تغلق مستشفيات أبوابها في وجه مرضى ومصابين، وقد تحققت كل هذه المخاوف لاحقاً.

لكنّ أحداً لم يخطر بباله أن تفتح خمسة سجون في العاصمة الخرطوم، تضم مدانين بارتكاب جرائم فظيعة أبوابها على مصراعيها لخروجهم منهم. وحصل ذلك بعد ستة أيام من بداية الحرب، حيث غادر 21 ألف مجرم السجون من دون الحصول على أمر قضائي أو صدور عفو رسمي، واستعادوا حريتهم في شكل غير قانوني، فأصبحت الخرطوم أول مدينة يفقد فيها السجانون وظائفهم، وتخلو معتقلاتها من سجناء.

في 22 إبريل/ نيسان الماضي، تفاجأ سكان أحياء مجاورة لسجن الهدى الذي يبعد مسافة 30 كيلومتراً من وسط العاصمة الخرطوم، بخروج 7 آلاف سجين، بينهم محكومون بالإعدام والسجن المؤبد بتهم الاتجار بالمخدرات، وأيضاً مدانون بعمليات احتيال مالية، والتخلف عن دفع مستحقات خاصة ببنوك، وارتكاب جرائم اغتصاب وسرقات.

يقول إبراهيم الذي يسكن في منطقة مجاورة لسجن الهدى لـ”العربي الجديد”: “امتلأت فجأة طرقات أحياء فقيرة تجاور السجن بعشرات الأشخاص الذين ارتدوا سراويل وقمصاناً صفراء، وكبّلت أيديهم وأرجلهم بأصفاد، وعرف السكان أن هؤلاء الفارين محكومون بالإعدام”. يضيف: “لم يوضح أحد كيف حصل ذلك، وبدا واضحاً أن السجناء يريدون استغلال أي ثانية للابتعاد عن القضبان، ثم جرى تداول معلومات عن فتح قوة مسلحة أبواب السجن، وإطلاقها السجناء بلا مواجهة مقاومة من قوات الشرطة المكلفة حراسة السجن”.
وأصدرت رئاسة الشرطة بياناً ندد بفتح السجن، وقالت إن “وحدة من قوات الدعم السريع دخلت السجن وحررت المعتقلين”، ثم سحبت هذا البيان من موقعها على “فيسبوك” بالتزامن مع نفي قيادة قوات الدعم السريع مسؤوليتها عن الواقعة.

ويؤوي سجن “الهدى” الذي افتتح عام 2007، مدانين بارتكاب جرائم مالية والتخلّف عن تسديد شيكات مصرفية، وتبلغ مساحته 1.9 مليون متر مربع، وهو ضمّ بعد فترة من افتتاحه سجناء مدانين بالإتجار بالمخدرات ولصوصاً ومرتكبي جرائم قتل، ويعتبر أحد السجون الرئيسية في ولاية الخرطوم، وأشهرها “كوبر” و”سوبا” و”أم درمان” الذي يحتوي على قسمين: أحدهما للرجال، والآخر للنساء.
وفي 23 إبريل/ نيسان تنفس بين 4300 و5200 معتقل في سجن كوبر “هواء الحرية” في شكل غير قانوني، إثر فتح أبواب السجن وتركها من دون حراسة للمرة الأولى بعد 120 عاماً من إنشائه عام 1903، وخرج منه جميع المعتقلين.
وبررت هيئة سجون السودان إطلاق سراح السجناء بوقوع المعتقل داخل دائرة الاشتباك بين الجيش وقوات الدعم السريع. وقال ضابط رفيع في الهيئة رفض ذكر اسمه لـ”العربي الجديد”: “تعرّض السجن لقصف مدفعي من طرفي القتال، إذ حاول الجيش صدّ هجوم شنته قوات الدعم السريع من موقع سلاح الإشارة الواقع غربي السجن، فيما هاجمت قوات الدعم السريع من تحت جسر كوبر الذي يبعد 200 متر فقط من شرق السجن.

وأشار الضابط إلى “مقتل خمسة سجناء وتدمير قاعة الاستقبال في السجن ومنشآت أخرى داخله، فتمثل الخيار المتاح بإطلاق جميع السجناء، وبينهم اثنان مطلوبان للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات حقوق الإنسان، وآخرون محكومون بالإعدام وموقوفون على ذمم جرائم أخرى”. وبالتزامن مع إخلاء سجن “كوبر” بحجة اندلاع اشتباك داخله، ونفاد الأغذية ومياه الشرب، خرج حوالى 4 آلاف سجين من معتقل “سوبا” جنوبيّ الخرطوم الذي افتتح عام 2021، و900 سجينة من معتقل “أم درمان” الذي هرب منه أيضاً عدد غير معروف من السجناء.
ويكشف تاريخ السجون في السودان تعرضها لاقتحامات من مواطنين، لكن لم يسبق أن أفرغت جماعياً من السجناء. وعندما سقطت حكومة الجنرال الراحل إبراهيم عبود في ما يعرف بـ “ثورة أكتوبر” (انقلاب) في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1964، حاصر الانقلابيون سجن “كوبر”، وأطلقوا السجناء الموقوفين على ذمم قضايا سياسية، لا المحكومين في قضايا جنائية.
وتكرر الأمر بعد سقوط نظام الجنرال جعفر النميري في 6 إبريل/ نيسان 1985، حين دخل مسلحون سجن “كوبر” أيضاً، وأطلقوا عشرات من طلاب وأساتذة الجامعات وفنانين وأدباء ومزارعين كان نظام النميري قد زج بهم في السجن قبل سقوطه.

ويقول عبد الله أمين، الأستاذ الجامعي في التاريخ: “عندما تنتصر الثورات، أول ما يقتحمه الناس هو السجون، لكن ما حصل في الخرطوم خلال الأسابيع الماضية، أمر مختلف”. يضيف لـ”العربي الجديد”: “لم يتوقع أحد إطلاق السجناء المدانين بارتكاب جرائم خطرة استناداً إلى أي تبرير، والمستغرب عدم جدية الشرطة في التعامل مع حوادث فتح السجون وإطلاق المعتقلين، فعناصرها لم يظهروا أي مقاومة، وتخلوا بسهولة عن تنفيذ دورهم في إبقاء السجناء خلف القضبان”.

أما المحامي المتخصص في القضايا الجنائية، عادل عبد الغني، فيستغرب عدم تعامل الشرطة مع حوادث فتح السجون وإطلاق السجناء، “فعناصرها لم يبدوا أي مقاومة لصدّ القوة التي فتحت السجون، وتخلوا بسهولة عن تنفيذ دورهم في إبقاء السجناء خلف القضبان”.

ويؤكد أن “إعادة اعتقال السجناء المدانين بارتكاب جرائم قتل وجرائم ضد الإنسانية والاتجار بالمخدرات لن يكون سهلاً، علماً أن هروب نحو 5 آلاف سجين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام لم يحدث سابقاً”. وتعطل تنفيذ أحكام الإعدام في السودان في نهاية 2018 بسبب انتهاء أجل المحكمة الدستورية الأعلى في السودان، وعدم إعادة تشكيلها. ويقول القاضي السابق محمد أحمد العراقي لـ”العربي الجديد”: “خطوة انسحاب الشرطة مبكراً من السجون يتناقض مع التوجه العام للدولة، علماً أن القيادة العسكرية توقعت في بداية الحرب حسم تمرد قوات الدعم السريع خلال أسبوعين في أقصى حد، لكن إدارة السجون استبقت الأمر، وأطلقت السجناء بحجة تعرضهم لخطر وعدم توافر طعام لهم. وبدا واضحاً بالتالي أن شرطة السجون لم تكن متحمسة لبقاء السجناء”.
ويقول عبد الله أمين: “لم تكن سجون الخرطوم تاريخياً مجرد أماكن يوضع فيها أشخاص يخالفون الضوابط المجتمعية المتعارف عليها، ومثلت جزءاً من الفضاءات العمرانية للمدينة، ووجهة لكثيرين كانوا يزورونها وينقلون أطعمة ومشروبات إلى ذويهم القابعين فيها. حالياً، لا أحد يفعل ذلك، وأصبحت الخرطوم تفتقد أحد فضاءاتها المهمة، السجون”.

عن مصدر الخبر

العربي الجديد