السودان الان

صلاح حاج سعيد.. (عدى فات) 

مصدر الخبر / صحيفة الانتباهة

الخرطوم: هادية قاسم

ودعت البلاد أمس الأول المبدع المتفرد صلاح حاج سعيد بعد رحلة إبداع طويلة قدم فيها عصارة إبداعه، فسجل التاريخ اسمه بحروف مختلفة، فصلاح ليس شاعراً عادياً فحسب، فالرجل يملك من الرهافة التي تنبي عنها أشعاره ما يجعله شاعراً مغايراً لا تحتمل مسيرته المقارنات ولا التشبيه.. ويبدو الراحل كساحر للقلوب العذارى، وكل من سمع أشعاره يكاد يجزم بأن هنالك سراً لم يبح به حاج سعيد.. سر جعله يخرج أشعاره بطابع فريد.

مولده

صلاح من مواليد الخرطوم، حيث درس فيها الأولية والمتوسطة في الخرطوم شرق والخرطوم الأهلية الوسطى، وكذلك مدرسة جمال عبد الناصر. وقد تخرج في كلية الحقوق، ومارس مهناً متصلةً بالقانون في مؤسسة التأمينات الاجتماعية التي أصبح يوماً مديراً لها.

دهشة البدايات

مسيرة الراحل تبدو بالفعل مليئة بالدهشة، فالشاعر المرهف أبدع أيّما إبداع وهو يسطّر بكلماته العذبة أشعاراً تحكي عن قصص غرامية تتغوّل في منتهى التفاني والتضحية والإنسانية، وكانت قد بدأت مع الفنان محمد ميرغني في نهاية الستينيات بقصيدة (بعد وحيد)، ثم (ما قلنا ليك) و (لو كان عصيت أمرك أنا).

ملحنون

تعاون الراحل مع الملحنين حسن بابكر ومحمد سراج الدين في جملة من الأعمال كانت من نصيب الفنان عثمان مصطفى الذي غنى له (البينا ما ساهل) و (صدقني) لحسن بابكر و (موعود) لمحمد سراج الدين. وأيضاً محمد ميرغني الذي لحن له حسن بابكر.

كفاية الوحدة ما بقدر طريقك تاني أمشيهو .. هو أصلو العمر كم مرة عشان نقدر نهدر أمانيهو.. بجانب أغنية ثانية: ما قلنا ليك الحب طريق قاسي وصعيب من أولو.. ما رضيت كلامنا وجيت براك اهو ده العذاب اتحملو..

 بالإضافة إلى تعاونه مع الطيب عبد الله من خلال (قيتو واقف منتظر تشتاق عيون لطلعتو). ومشواره مع البلابل تضمن نص (نور بيتنا).

ثنائيته مع أبو السيد

حظيت ثنائية صلاح حاج سعيد ومصطفى سيد أحمد بقبول كبير إبان تعاونهما معاً، فقد أبهر الثنائي المتلقي بعظمة تقديم أغنيات بها من الدهشة والعذابات والشجن ما بها، فقد اكمل كل منهما رسالة الآخر، فكأن صلاح حاج سعيد حينما يكتب شعره يكتبه فقط لأن يؤديه أبو السيد، وحينما يصدح مصطفى بأشعاره كأنه لم يبدع من قبل. فهذا التجانس هو الذي أدى الى نجاح وعظمة الأغنيات التي خرج بها مصطفى سيد أحمد بثوب مختلف عن الأغنيات التي كانت تتسيّد الساحة آنذاك.

الحزن النبيل

وكان (الحزن النبيل) مدرسة وحدها، ولو لم يكتب صلاح غيرها لكفته مسيرة وعمراً إبداعياً

وبقيت أغني عليك

 غناوي الحسرة والأسف الطويل

 وعشان أجيب ليكي الفرح

 رضيان مشيت للمستحيل

فحجم الحزن في هذا النص تحديداً يبدو مؤلماً وجميلاً في آنٍ واحد، إذ يتناول الشاعر خذلانه وخيبته وندمه هنا في أغنياته وهو الذي كان يغني للفرح، فيتحوّل وفقاً لحجم معاناته الى غناء الحسرة والأسف الطويل.

المسافة

وفي (المسافة) يشكو الشاعر من بعد المسافة، ولكنه يدهشنا هنا بما لديه من لهفة وخوف وتناوله لأمنيات السفر وغيرها من التعابير الشجية.

 لسـه بيناتنا المسافة والعيون

 واللهفة والخوف والسكوت

 ورنة الحزن البخافا

 تعدّى بي الفرحة وتفوت

 وأمشي بي الحسرة وأموت

قمر الزمان

وبين هذا التدفق المدهش تبقى (قمر الزمان) كعروس متفردة وسط حسناواته من القصائد، فقد أجاد هنا الشاعر وصف أحاسيسه ولوعته وما يحمله في قلبه من سر (مدسوس سنين).

كان نفسى أقولك من زمان

 بي الكاتمو في سري

ومكتـّم في حشاي مدسوس سنين

 بي الشايلو في عيني معزة

ريداً يخاف الغربة والشوق والحنين وفى القلب

  زاملني زي خاطر الفرح

 وكتين يقاسم الهم عزا

 وكتين مدامعي تكون جِـزا

 وتفتح مباهج الليل ظنون

عارفني منك

 صلاح حاج سعيد يشكو هنا ظلم الحبيب وما لاقى منه من جراح وعذابات وظنون، فأتت قصيدته بصورة فاتنة بها من الحزن والوجع ما يثير كوامن الشجن.

ببقى بعدك في الأسى

 وتبقى إنت الظالم القاسي النـسى

وغصب عني أشيل ظنوني

 وأقول عليك إنت المسامح

 فوق شجوني

 أعيش زمان بالفرقة جارح

 وفي احتمالي وبالي إنـّكْ

 إنت سايق فيني ظنك

إضافةً الى (عينيك مدن) ــ (عدى فات) ــ ( يا جرح عزة هوانا)، وغيرها من الدرر التي كتبها صلاح حاج سعيد.

ويبقى الراحل المقيم أيقونةً متفردةً وعلامةً فارقةً في الساحة الشعرية السودانية، بما قدم من أغنيات مازالت متوهجة متفردة كتفرد روحه التي حلقت الى المثوى الأخير (تقبله الله وأحسن نزله).

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة الانتباهة