كتابات

عبد الله علي إبراهيم يكتب “تسييرية” نقابة المحامين: جرد الحساب

لو اعتصمت بالوثيقة الدستورية ربما كانت أغنت أصحابها عن معارك وعكر لا لزوم لهما

أثار الدستور الانتقالي الذي طرحته لجنة تسيير نقابة المحامين السودانية المحسوبة على قوى الحكومة الانتقالية التي أزاحها انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 ثائرات عليه. اتفق في كثيرها خصوم سياسيون لها مع حلفاء من صفها. والتسييرية هي لجنة مكلفة من عهد الحكومة الانتقالية إدارة النقابة حتى انعقاد الجمعية العمومية.

وأبرز الاعتراضات على الدستور كان من جهة صلاحيتها كتابة دستور أصلاً. وهوية التسييرية والدستور مما سيشغلنا في هذه الكلمة، ولكن ليس قبل أن نعرض لهجائيات قد تعين في فهم الخطاب السياسي بهذا المنعطف لصراع القوى الاجتماعية بالسودان.

قيل عن الدستور إنه وحي أجنبي لم تكن التسييرية سوى واجهة له. فواضعة الدستور، في قولهم، منظمة أميركية للسياسات العامة والقانون العام باسمها. وهي ذات صلة قديمة بالسودان تعود إلى القانون الانتقالي لعام 2005 بعد اتفاق السلام بين الحكومة آنذاك والقوميين من جنوب السودان في الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق، بل كانت هذه المنظمة في قول أحدهم وراء اتفاق سلام جوبا في 2020 بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة في دارفور. وبالنتيجة سمى بعضهم دستور التسييرية “دستور السفارات” طعناً في وطنية من قاموا به. وأجراهم على هذا أن سفراء من الدول الغربية والأمم المتحدة كانوا حضوراً في مشهد إعلان الدستور، أو في تمثيلية إخراجه في قول بعضهم. والأنكأ في قول الناقدين إنهم باركوه ورأوا فيه مخرجاً للبلاد من أزمتها.

وزاد طين الهجائية بلة على الدستور أن أعضاء في التسييرية نفسها قالوا إن الدستور لم يصدر عنهم. فلم تزد التسييرية في قولهم عن الدعوة إلى ورشة عمل حول الدستور أوفت غرضها حضوراً ونقاشاً. ولم توص بكتابة أي دستور. وحدا بأحدهم، والحال هكذا، أن يصف الدستور بـ”اللقيط”.

وربما أكثر ما شغل الدوائر السياسة موقف الفريق ركن محمد حمدان دقلو حميدتي، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع، من الدستور. وكان قد قال إنه لم يطلع على نص الدستور ويرحب به ويأمل أن يكون باباً لبناء الثقة بين الأطراف السودانية لتبلغ اتفاقاً شاملاً ينهي هذه الأزمة التي تقف عقبة بوجه استكمال الفترة الانتقالية. ورأى خصوم الدستور في ترحيبه بما لم يطلع عليه كلاماً فارغاً. واستنكروا منه أن يرحب بدستور “لقيط” في حين تباعد عن مبادرة “نداء السودان” التي أطلقها الشيخ الطيب الجد القائم على الطريقة القادرية البادرابية التي تحظى بتأييد أنصار انقلاب 25 أكتوبر. وتغاضت قوى الحرية والتغيير (المركزي) عن خصوماتها الجوهرية مع الدعم السريع لتقول إن ترحيب حميدتي بالدستور مؤشر إلى قوته وإن ترحيبه مما سيقويه أكثر. وسار في الوجهة ذاتها برمة ناصر، رئيس حزب الأمة، فأشاد بانحياز حميدتي إلى الدستور.

وذهب الناس مذاهب في تحليل هذا الترحيب من حميدتي. فرآه بعضهم دليلاً على نزاع مزعوم بينه وبين الفريق ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة. فبينما ينتهر البرهان القوى المدنية ويأمرها أن تكف عن حديثها “المباح” عن الجيش ها أنت ترى نائبه يتقرب منها. بل قرأ بعضهم في ترحيب حميدتي بدستور ثوري عودة منه إلى موقفه في 11 أبريل (نيسان) 2019 حين قرر الوقوف مع الثورة وإزاحة الرئيس السابق حسن أحمد البشير من كان جاء به إلى الساحة السياسة الوطنية للمرة الأولى. وقيل إن ما يخشاه البرهان أن ينقلب السحر على الساحر مرة أخرى.

لو أصغينا إلى رأي نبيل أديب المحامي الذي كان وراء صنع دساتير السودان الموقتة منذ 1985، في الدستور موضوع نظرنا لاتفق لنا كيف أن التسييرية بدستورها ربما أطلقت الرصاص على قدميها. فلما ألغت التسييرية في دستورها الوثيقة الدستورية التي جرى توقيعها بعد نجاح ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 في 2019 (تعديل 2020) فتحت أبواب جهنم عليها. فلو تمسكت بالوثيقة الدستورية ولم تنصرف إلى كتابة دستور جديد لما ثار السؤال عن صلاحيتها في كتابته. ولم تكن لتفتح عليها، من جهة أخرى، باب سؤال هوية الدولة من جهة التشريع بمثل القوة التي لبّد بها سماء مناقشة دستورها موضوع النظر.

فمن رأي نبيل أن الوثيقة الدستورية (2019) دستور انتقالي لا مطعن فيها. فالدستور إما صدر عن هيئة تأسيسية منتخبة من الشعب تنحل بعد إجازته أو عن ثورة جسدت إرادة الشعب. وبخلاف دستور التسييرية فالوثيقة الدستورية لعام 2019 لها استحقاق الدستور عن ثورة. ولا يعني هذا أنها لم تلق اعتراض جماعات سودانية كثيرة في وقتها. ولكنها صمدت ولا تزال من فوق أهوال سياسية في مثل تعديلاتها المسرفة بعد انقلاب 25 أكتوبر.

علاوة على أنها ما زالت هي الحاكمة بصورة ما في ما تعلق باتفاق سلام جوبا المستمد منها. وهو الاتفاق الذي عدلت له الوثيقة الدستورية في 2020 ليعلو عليها متى اعترض بند في الوثيقة ما جاء في الاتفاق. بل إن وزراء الحركات المسلحة وأعضاءها في مجلس السيادة ما زالوا يمارسون وظائفهم في الدولة دون غيرهم بمقتضى اتفاق جوبا الذي يستمد شرعيته من الوثيقة الدستورية.

ومن رأي نبيل أن إتيان التسييرية بدستور ألغى الوثيقة الدستورية مما يطعن في حجة الحرية والتغيير في إدانة الفريق البرهان على الانقلاب عليها. فقد انقلب البرهان حقاً على الوثيقة بتعديلات ليست من صلاحيته. وليس انقلاب البرهان على الوثيقة الدستورية برخصة لانقلاب قوى الحرية التغيير عليها بمثل دستور التسييرية. وتساءل نبيل، من أين لنا توقير الدستور إذا جوزنا شطبه على السليقة مثل جملة ركيكة. ومن رأي نبيل مع ذلك أن بالوثيقة الدستورية كثيراً مما يعدل ولكنها لا تزال حبل قوى الحرية والتغيير السري للثورة.

فتح دستور التسييرية من الجانب باب الحرب الثقافية التي تزايل أوارها نسبياً باستقرار الوثيقة الدستورية. فعاد بالدستور موضع نظرنا سؤال هوية الدولة ومنزلة التشريع منها من أول وجديد. فلم تسعد دوائر سياسة إسلامية كثيرة بقول الدستور بوقوف الدولة على مسافة واحدة من كل الأديان والعقائد في السودان. ورأوا فيه استبعاداً للشريعة الإسلامية من التشريع والحكم في السودان. فاحتج أحدهم على هذا الوقوف على مسافة واحدة من العقائد لأنه يعادل الإسلام “مع غيره من ديانات عبدة الأوثان”. ورتبوا لحملة لكشف خطورة دستور التسييرية لإسقاطه خصائص المجتمع السوداني. وقال خطيب منهم إنهم سيحاربونه “سواء جاء عن طريق التظاهرات أو على ظهر دبابة”.

وما كان لهذه الحرب الثقافية أن تتلظى هكذا لو تمسكت الحرية والتغيير بالوثيقة الدستورية. فلم تحكم الوثيقة الدستورية لثلاثة أعوام من فوق نفس صيغة وقوف الدولة فحسب، بل صارت هي العقيدة في سائر أبواب اتفاق جوبا الذي انبنى على الوثيقة الدستورية. فجاء في موضع من الاتفاق وجوب الفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة لضمان عدم استغلال الدين في السياسة. ويرد في مواضع أخرى من الاتفاق دائماً وجوب أن تقف الدولة على مسافة متساوية بين الأديان والثقافات من دون أي انحياز إثني أو ديني أو ثقافي يؤدي إلى الانتقاص من هذا الحق. وجرى التأكيد على هذا بطلب تضمين هذا المبدأ في الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية.

ولا أعرف إن كانت قوى الحرية والتغيير، وهي على الوهن السياسي الذي هي فيه، بحاجة إلى هز المركب بدستور فتح عليها أبواب الجحيم كما رأينا. فطعن حتى القريبين منها، محقين في صلاحية التسييرية لكتابة دستور، بل وعن حاجتها أصلاً له طالما توافرت الوثيقة الدستورية. وفتح الدستور الباب لإلهاب الحرب الثقافية في غير وقت حول هوية الدولة التي هي سيرة السياسة السودانية. بل جرى الطعن في استقلال قرارها حتى في كتابة دستور ليس من اختصاصها، ناهيك عن تهم تزوير إرادة التسييرية نفسها بأفراد قلائل منها حتى قال نبيل “دا دستور قطعوه ناس ما بنعرفهم من راسهم”. وهذه خسائر مزدوجة.

جاء الدستور للتسييرية بمعارك هي في غنى عنها. فانتهز خصومها منعطف حرجها مع الدستور لإثارة شرعيتها كنقابة للمحامين. فقيدت النيابة العامة إجراء جنائياً ضد أعضاء التسييرية (مادة 47 تحريات أولية) وحجزت مقر نقابة المحامين الذي انعقد فيه مؤتمرها لإعلان دستورها. ومن الجهة الأخرى أمر زعيم في حزب المؤتمر الشعبي بفصل جماعة من حزبه وقفت مع دستور التسييرية.

متى جردت التسييرية والحرية والتغيير حساب الدستور الانتقالي بذهن مفتوح لودوا لو تجنبوا سكته. فلو اعتصموا بالوثيقة الدستورية ربما كانت أغنتهم عن معارك وعكر لا لزوم لهما.

عبد الله علي إبراهيم أكاديمي وصحافي

عن مصدر الخبر

جريدة اندبندنت البريطانية