السودان الان

موسكو وواشنطون.. صراع دولي على مقرن النيلين

مصدر الخبر / صحيفة الانتباهة

 

تقرير: محمد جمال قندول

اثارت تصريحات السفير الامريكي جون غودفري لغطاً واسعاً جعله تحت مرمى نيران عديدة، فالرجل الذي وصل البلاد كاول سفير لواشنطون بالخرطوم ابرز تصريحات عبر حوار مع صحيفة (التيار) حذر فيها من اقامة منشأة روسية بحرية على شاطئ البحر الاحمر، وقال انها ستكون مضرة بمصالح السودان، لكن سرعان ما ردت موسكو عبر سفارتها بالخرطوم واصفة تصريحات غودفري بالسخيفة والتدخل السافر في الشؤون الداخلية للسودان.
(1)
ويبدو ان آثار الحرب الاوكرانية الروسية والحصار الامريكي على موسكو وصلت نيرانها الى ارض النيلين، جراء حرب التصريحات الاعلامية بين سفيري الدولتين بالخرطوم.
وذكر السفير الامريكي امس الاول (الثلاثاء) أنه اذا قررت حكومة السودان المضي قدماً في إقامة منشأة بحرية في بورتسودان أو إعادة التفاوض حولها، سيكون ذلك ضاراً بمصالح السودان ومن شأنه ان يؤدي إلى مزيد من العزلة، في وقت يريد فيه معظم السودانيين أن يصبحوا أكثر قرباً من المجتمع الدولي.
وبين افادات عديدة طاف خلالها غودفري على جوانب الازمة السياسية بالبلاد وعلاقة السلطة القائمة الحالية بواشنطون ومطالباته باستعادة المسار الديمقراطي وتشكيل حكومة ذات مصداقية عليها اجماع، اثارت الجزئية المتعلقة بتحذيره من انشاء منشأة بحرية روسية في شرق البلاد جدلاً واسعاً امتد صداه للرأي العام السوداني، واعتبرت اوساط شعبية وسياسية تصريحات السفير الامريكي الجديد تدخلاً سافراً في الشأن السوداني.
ويرى خبراء سياسيون ان الحرب الروسية الاوكرانية وما تلاها من حصار على موسكو قد وصلت تداعياتها لصراع مصالح الدولتين في القرن الافريقي، وتحديداً السودان الذي يعد مطمعاً للدولتين، حيث تحاول واشنطون استعادة نفوذها في الخرطوم بعد قطيعة دامت ثلاثين عاماً وتحجيم التوسع الروسي افريقياً بشكل عام والسودان بصفة خاصة، وذلك عبر امساكها أخيراً بتلاليب حل الازمة السودانية بعد ان ابتعدت عنها خلال الاشهر الاولى للمشكلة السودانية، لجهة ان مقرن النيلين يعد دولة للبلدين، ولذلك نجد تسابقاً امريكياً روسياً ومن الدول العظمى لما يملكه السودان من مقومات منها امتلاكه أطول شاطئ بالبحر الاحمر.
(2)
وبالنظر إلى تصريحات غودفري ثم رد موسكو عليها فإن الصمت الرسمي للدولة اثار تساؤلات المتابعين الذين اعتبروا ان ذلك يعد بمثابة انتقاص لسيادة الدولة السودانية.
وفي بيان للسفارة الروسية في الخرطوم شنت هجوماً على السفير الأميركي، حيث ذكرت انه يحاول أن يتحدث مع الشعب السوداني بلغة التهديدات والإنذارات النهائية في شأن سيادة الخرطوم في سياساتها الخارجية، وأشارت كذلك الى ان حجج السفير الأميركي حول النظام العالمي الحالي سخيفة، وتابعت قائلة انهم عازمون على التطوير المتتالي للتعاون مع السودان على مبادئ الاحترام المتبادل والمنفعة المتساوية.
ويرى استاذ العلاقات الدولية والمحلل السياسي د. نصر الدين التيجاني لـ (الانتباهة) ان موسكو تعتقد ان تعيين سفير جديد لواشنطون بالخرطوم يأتي في سياق ايقاف التعاون السوداني الروسي، معتبراً ان السجال الدائر بين الجانبين طبيعي ولا يحتاج لرد رسمي من الدولة، وأضاف قائلاً: (تم تحميل تصريحات السفير جون غودفري اكثر مما ينبغي، وقطعاً لا تعبر عن الموقف الامريكي الرسمي بأنه ضد المكون العسكري، بقدر ما تأتي في اطار اعطاء المشهد بعض التوازن المطلوب)، ويواصل محدثي في تعليقه ويضيف ان البلاد باتت ساحة تجاذب دولي لاعتبارات عديدة في مقدمتها موقع السودان الجغرافي وثرواته، كما ان تقدم علاقات الخرطوم بشرق العالم خلال السنوات الاخيرة اقلق الامريكان والاوروبيين، حيث يسعون لاستعادة ادوارهم في السودان، وبالتالي ستكون هنالك سجالات بين الحين والآخر كصراع مصالح، فروسيا ترى انها تقف بجانب السودان، فيما تريد امريكا والغرب استعادة مواقعهما بالمعادلة.
(3)
وعقب سقوط نظام الانقاذ وبعد سنوات من التمدد الصيني والروسي بالبلاد وكذلك عبره لافريقيا، برزت واشنطون ولندن في المعادلة السياسية كداعمين لقوى الحرية والتغيير في نسختها الاولى، ورغم تذبذب الوجود الامريكي بشكل مباشر في الازمة السودانية في اشهرها الاولى بعد قرارات الخامس والعشرين، الا انها عادت في الآونة الاخيرة عبر تعيين سفير لها بالخرطوم لاول مرة بعد ربع قرن، كما بدا واضحاً نشاط سفيرها سياسياً، الامر الذي اقلقت فيما يبدو موسكو التي تحوز على وجود اقتصادي كبير بالسودان رغم قلة حماسها للتدخل في الازمة بين الفرقاء السودانيين، على عكس الجانب الامريكي الذي يسعى لرسم لوحة التوافق.
وفي خضم الصراع العالمي على الملف السوداني وبعد عداء قوى عظمى للمكون العسكري، برز تحول دراماتيكي عبر بيانات للترويكا والاتحاد الاوروبي وواشنطون اتسمت بالمرونة تجاه المكون العسكري، وان كانت تجدد اشادتها بخطوات رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان بانسحاب الجيش من الملعب السياسي انتظاراً لتوافق الاحزاب لتشكيل حكومة، وبعد مرور ثلاثة اشهر على خطاب البرهان الشهير في يوليو فإن الفجوة مازالت كبيرة بين القوى المدنية، الأمر الذي افقدها ثقة المجتمع الدولي وقاد الى تمدد خيارات اخرى حال عدم الاتفاق من ضمنها تشكيل حكومة تصريف مهام والانتخابات.
ويرى مراقبون ان تصريحات السفير الامريكي دبلوماسية اكثر من كونها تعبر عن الموقف الامريكي الرسمي، حيث ان زيارات البرهان الخارجية الاخيرة اثبتت انتزاع الرجل اعترافاً دولياً بحكومة الأمر الواقع في مقرن النيلين، وبالتالي فإن حديث غودفري يأتي في سياق اظهار الوجه الديمقراطي للولايات المتحدة اكثر من كونه موقفاً رسمياً، واعتبروا كذلك أن الرد الروسي طبيعي لجهة النزاع العالمي بين الدولتين.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة الانتباهة