السودان الان

“الشيك والشريعة” تشير الإحصاءات غير الرسمية إلى وجود ما يقارب “4” آلاف سجين يخضعون لمادة “يبقى إلى حين السداد”.. حتى متى؟

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – مهند عبادي
لا يزال الجدل متصلاً، فمنذ أشهر ظلت قضية الشيكات المرتدة تشغل حيزاً وافراً في ساحة الأحداث بالبلاد، سيما في أعقاب إعلان وزارة العدل إجراء تعديلات على بعض مواد القانون الجنائي والمدني، وظلت القضية محل تحليلات وتوقعات بشأن الجدال الدائر حول إلغاء المادة من القانون، أو الإبقاء عليها، وبلغ الشد والجذب حولها مبلغاً من العصف الذهني والفقهي والقانوني، فمادة “يبقى بالحبس لحين السداد” ظلت طيلة السنوات الماضية محل جدل، وعقدت حولها العديد من الورش واللقاءات والاجتماعات المشتركة والتنسيقية لإيجاد المعالجة للمادة التي يعتقد البعض بأن لها آثاراً وتبعات تتعدى حبس الشخص الموقع على الشيك المرتد؛ منها الاجتماعية والاقتصادية كتشريد الأسر والأبناء وارتفاع حالات الطلاق، فضلاً عن توقف عجلة الاقتصاد.
اعتراضات عدة واجهت وزير العدل، مولانا عوض الحسن النور، في مسعاه لإلغاء المادة، الذي كان عازماً على الأمر منطلقاً من أبعاد ونظرة خاصة وقناعة تامة بأهمية التعديل حول المادة لتلافي آثارها السلبية، ولكنه ركن أخيراً إلى رأي الأغلبية وصوت العلماء والخبراء الذين طفقوا يتداولون حول المادة في اللجان التي شكلتها وزارة العدل في إطار مشروع الإصلاح القانوني، وخلصت إلى الإبقاء على المادة دون تعديل.
بالأمس أقام كرسي النيلين لحكم القانون ومكافحة الفساد ورشة عمل حول حبس المدين إلى حين السداد ومبادئ حقوق الإنسان، قدمت خلالها مجموعة من الأوراق بحضور وزير العدل مولانا عوض النور والنائب العام عمر أحمد، وعدد من الخبراء ورجال القانون، وتشير إحصاءات غير رسمية إلى وجود ما يقارب أربعة آلاف مسجون إلى حين السداد بالبلاد، ويصف مراقبون أنها غير قانونية ولا دستورية، حيث أنها أقرت في المادة (243) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983، وهو نص غير قانوني وغير دستوري، باعتبار أن القانون يعد ملغى بعد أن صادقت البلاد على العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في عام 1986، الذي تنص المادة (11) منه على عدم سجن أي إنسان بسبب عجزه عن تنفيذ التزام تعاقدي، لذا فينبغي قانوناً، بحسب وجهة نظر خبراء قانونيين، إزالة النص الوارد في المادة (243) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983، مقروءاً مع الدستور الانتقالي المعدل لعام 2005، الذي نص في المادة (27) على مراعاة العهود والمواثيق التي وقعت عليها البلاد، والتي من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، غير أن سمير قاسم ممثل اتحاد أصحاب العمل يقول في ورقته التي قدمت بالورشة إن ذلك الاحتجاج مردود، لأن الاتفاقية الدولية تنص على منع حبس شخص في دين ناتج عن علاقة مدنية، بينما المادة (179) تحبس الشخص نتيجة لمعاملة لها أثر مترتب على جريمة جنائية، مشيراً إلى أن الحبس يكون في قضايا الشيكات المرتدة وديون الديات، وهي بحسب سمير ديون مترتبة على جرائم جنائية وليس فيها انتهاك للاتفاقية الدولية، مؤكدا أن الخبراء والمقررين المستقلين الذين تناوبوا على أوضاع حقوق الإنسان بالبلاد كالسيد كاسبروبيرو ننوسو أرستيد لم يرد منهم شيء يدعو إلى خرق البلاد للمادة (11) من الاتفاقية الدولية، وأضاف أن المادة (11) نفسها تخالف أحكام الشريعة الإسلامية التي تقضي بحبس المدين، وحذر سمير من التداعيات التي وصفها بالسالبة والمؤثرة جراء تعديل المادة (179) من قانون الإجراءات المدنية والخاصة بالشيكات المرتدة على الاقتصاد الوطني ومجمل النشاط التجاري، وطالب بإلغاء مشروع أي تعديل مقترح على المادة لأضراره المباشرة، وأكد على أهمية الإبقاء على المادة (179) كما هي دون تعديل؛ (يبقى إلى حين السداد)، باعتبار أن التعامل بالشيكات هو الضامن الوحيد للتعاملات التجارية، وأبان أنه دون ذلك، فإن مشروع التعديل المقترح سيؤدي مباشرة إلى حدوث انكماش اقتصادي، وإلى اللجوء للتعامل النقدي المباشر عوضاً عن الشيكات. وبحسب سمير قاسم فإن فقدان الثقة في الشيك يحد من التعامل به ويؤثر على اقتصاد الدولة من عدة نواح، سيما سلامة ومصداقية الأوراق التجارية والنظام المصرفي والنقدي، لذلك فإن إصدار شيكات من غير رصيد يتعدى أثرها لإشانة سمعة الاقتصاد وحركة توظيف الأموال والقدرات البشرية، لكل ذلك، بحسب سمير، كان لا بد من وجود رادع لتلك العملية ومحاصرة ظاهرة الاستهتار والتلاعب وتلافي فقدان الثقة الذي تنتج عنه مجموعة من الآثار السالبة تتمثل في التأثير على السياسة النقدية والسيولة وإنشاء البيئة الحاضنة للجرائم في ظل التعامل بالنقد، وتأثر التعامل المصرفي من مرابحات وغيرها من المعاملات المتعلقة بالشيك الآجل، فضلا عن التأثير على مناخ الاستثمار الوطني وتأثر التجارة. ويقول سمير في ورقته بالورشة إن الوقت غير مناسب للتفكير في إلغاء أو تعديل المادة (179) “يبقى إلى حين السداد”، لجهة أن ذلك يؤثر على الاستثمار وسيؤدي الى انهيار التنمية والاقتصاد.
من جهته، يرى الفريق شرطة حقوقي أبو عبيدة سليمان، مدير الإدارة العامة للسجون، في ورقته بالورشة أن تفشي ظاهرة “يبقى إلى حين السداد” تسببت فيها عدة عوامل اجتماعية واقتصادية طرأت على المجتمع، مما جعل السجون تكتظ بالمحكومين، وقال أبو عبيدة إن القضية يترتب عليها العديد من الآثار السالبة على الدولة والمدين والدائن، فعلى مستوى الدولة فإنها تجد نفسها طرفاً في نزاع لم تكن فيه أساساً، وتكون مسؤولة عن علاج وغذاء وكسوة وترحيل وحراسة المدين، وتوفير المرافق الخدمية والاجتماعية له، ويكلفها ذلك أموالاً طائلة، إلى جانب ذلك فإن الآثار تمتد إلى الأسرة بارتفاع نسب الطلاق وغياب الكافل للأسرة، وتشرد الأبناء والتفكك الأسري، وانعدام التنشئة الاجتماعية والرعاية والتوجيه السليم، لذلك فالعقوبة رغم أنها توقع على النزيل إلا أن تبعاتها تمتد لأطراف أخرى، واقترح أبو عبيدة تخصيص سجون خاصة للنزلاء واختيار الكوادر الجيدة وتوفير المعينات والوسائل والتعاون مع السلطة القضائية للنظر في إعسار النزلاء، وإعادة النظر في استحقاق النزلاء في الإفراج عبر سداد المديونية وتفعيل دور ديوان الزكاة والخيرين ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات في كفالة أسر المحكومين.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي