السودان الان السودان عاجل

جريدة بريطانية : المؤتمر الوطني وخطاب الهوية السودانية حصان طروادة الأخير – تحليل

الشعب مدرك ومصمم على ألا يعود الإخوان إلى الحكم ثانية
منذ بداية هذا الأسبوع، انشغل المجتمع السياسي في السودان بما سمي مبادرة “أهل السودان والتوافق الوطني”، التي قادها الشيخ الطيب الجد ود بدر شيخ إحدى الطرق الصوفية الكبرى.

لكن كان واضحاً للجميع أن هذه المبادرة التي تم تصويرها كدعوة من شيخ صوفي “وقور” لجمع أهل السودان على كلمة سواء، وكأن لم يكن هناك ثورة شعبية عظيمة كانت بذاتها كافية لتكون شهادة رفض لنظام المؤتمر الوطني من ملايين السودانيين قبل ثلاث سنوات، هي في الحقيقة إعادة تدوير ماكر من صناعة الإسلاميين، الذين ظلوا يحترفون تلك الصناعة طوال سنوات حكمهم الـ30، لكن في سياق جديد ومن وراء شيوخ التصوف، فهذا الشيخ ذاته كان منتمياً للإخوان المسلمين.

ما أن بدأت فعاليات المبادرة حتى كانت الوجوه والرموز التي شاركت فيها أوضح دليل على أنها مبادرة التفافية، الهدف منها هو صناعة حاضنة من الإسلاميين لإعادة تعويم قائد الانقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان، لكن الشعب السوداني كان مدركاً بحاسته السادسة، أن هذه المبادرة هي خديعة أخرى لعودة حزب المؤتمر الوطني إلى السلطة.

كما أن هذه المرة بدا واضحاً أنه حتى نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو، شريك البرهان في انقلاب الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نأى بنفسه عن هذه المبادرة، كما نأت الحركات المسلحة التي تحالفت مع قائد انقلاب الـ25 من أكتوبر أيضاً، فبدت المبادرة عارية وفاشلة منذ البداية.

العودة إلى خطاب الهوية

اليوم، يدرك الإسلاميون ومنسوبو المؤتمر الوطني المنحل قبل غيرهم أنهم حزب وجماعة لفظهم الشعب السوداني مرة وإلى الأبد من مستقبل الحياة السياسية، نظراً إلى ما تسبب فيه هذا الحزب الإخواني طوال 30 سنة من تدمير لجهاز الدولة العام وتسميم لحياة السودانيين وانقسام السودان إلى دولتين نتيجة لسياساته العنصرية، إلى جانب الفساد العريض والحروب الأهلية في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة.

ولتلك الأسباب الجوهرية في منطق الرفض الشعبي، يحاول منسوبو المؤتمر الوطني البحث عن عناوين جديدة/ قديمة لإعادة التخفي من ورائها، وكذلك الاحتماء وراء شيوخ الطرق الصوفية الكبار، الذين هم عادة محل احترام من جميع الشعب السوداني، في سبيل العودة إلى السلطة تحت شعار “مبادرة نداء أهل السودان للتوافق الوطني”.

السردية الجديدة التي يسوقها المؤتمر الوطني اليوم هي الاصطفاف وراء “خطاب الهوية” القائم على أساليب دعائية شعاراتية حول مواضيع عامة رمزية ومثالية وغير محددة أو منضبطة بتكييف قانوني، مثل ادعاء الدفاع عن قيم الأمة والخوف على ثوابت المجتمع، ومواجهة العلمانيين والحرص على مبادئ الإسلام من التشويه والتصدي لصيانة الدين، وكلها عناوين يدرك حزب المؤتمر الوطني أنها بتلك الطريقة التي يتم تسويقها ستلقى آذاناً صاغية من طرف كثيرين في بيئة ومجتمع ظلا خاضعين لتشكيل خطابه الإعلامي 30 سنة، حتى أصبحت مقولات الإسلاميين العامة شبه مسيطرة في أذهان كثيرين من المجتمع وفق ما أرادوه له من تفهيم، عبر استغلالهم لأجهزة الدولة والترويج لتلك المفاهيم المؤدلجة بتصوراتهم طوال فترة حكمهم، والحال أن مفهوماً مفخخاً بأيديولوجيتهم كمفهوم “الشريعة” ستظل له أصداء مؤثرة في قلوب كثيرين من خلال الشحن العاطفي.

هكذا بمثل خطاب الهوية، وهو الخطاب الذي استبدل به حسن البنا الخطاب الإصلاحي المعرفي للشيخ محمد عبده فقلب العلاقة مع الغرب إلى صراع هوية مطلق، احتشد منسوبو المؤتمر الوطني وراء مبادرة “أهل السودان للتوافق الوطني”، موظفين كل ترسانتهم الأيديولوجية لاستغلال البسطاء من عامة الناس، على الرغم من أن غالبية الشعب السوداني مدركون تماماً بأن حزب المؤتمر الوطني هو الحزب الذي أفسد حياتهم وسممها 30 سنة، ذلك أن البيئة التي صنعها نظام المؤتمر الوطني ومرر خلالها سياساته في تحزيب الطرق الصوفية والقبائل اليوم لا تزال بها ظلال تأثير لتلك السياسات القديمة.

لهذا لاحظنا في خطابات الذين تعاقبوا على منصة المبادرة التركيز على الدفاع عن الإسلام والتصدي للعلمانيين وخطر معاهدة سيداو، وغيرها من العناوين التي يدركون تماماً تأثيرها السحري في البسطاء حين يصورون لهم أن الصراع اليوم هو على هوية السودانيين ودينهم، فيما ظلوا طوال 30 سنة هم المتسببين، عبر نهب أموال الدولة لصالح جيوبهم الفاسدة، وفي التضييق على معاش الناس وتوفير كل الأسباب المحتملة للانحلال الأخلاقي للأسر العفيفة في المجتمع بجعلها عرضة للانزلاق، وبذلك هيأوا كثيراً من دواعي الفوضى والفساد في المجتمع السوداني، نتيجة للجرائم والخطايا التي ارتكبوها في حق ذلك المجتمع خلال حكمهم الانقلابي.

التكفير السياسي

حين تصف الخطابات العاطفية لمنسوبي المؤتمر الوطني في مبادرتهم الأحزاب المناوئة لهم بأنها أحزاب علمانية كافرة تريد أن تخرب الدين، مستشهدين على ذلك بتصرفات فردية حدثت خلال حكم قوى الحرية والتغيير في العامين الماضيين، فإنما هم هنا يمارسون سلطة التكفير السياسي، التي تسوغ لهم وصف الأحزاب السودانية كالحزب الشيوعي وحزب البعث وغيرهما، بأنها أحزاب كافرة لتشويه تلك الأحزاب، ولا سيما أحزاب تحالف قوى الحرية والتغيير، والتشكيك في خطابها السياسي وتنفير الناس منها.

الحقيقة أن خطاب الهوية الأيديولوجي للإخوان المسلمين، وهو يمارس التكفير السياسي، إنما هو تضليل للبسطاء واستغلال لجهلهم، فليس في ضوابط علم الفقه عند المسلمين ما يسمى التكفير السياسي، الذي اخترعه الإخوان المسلمون لتخريب الجماعة الوطنية، لأن تكفير الجماعات السياسية والأحزاب التي أعضاؤها مسلمون في خطاب المؤتمر الوطني لا علاقة له بأحكام التكفير الشرعي في الإسلام، كما هي منضبطة ومدونة في الفقه الإسلامي تحت باب “تكفير المعين”، أي الفرد بعد ثبوت الشروط وانتفاء الموانع.

في ظل هذا الاستغلال البغيض لعقول البسطاء، ووسط بيئة ومجتمع ظلا لـ30 سنة يوجهونه عبر جهاز إعلام الدولة، فلا شك أن هناك تشويشاً كبيراً سيحدث لكثيرين، مما سينعكس بالضرورة في ردود فعل فئات مشوشة من الشعب السوداني حيال الاستمرار في مقاومته وقطع الطريق على عودة الإخوان المسلمين إلى الحكم مرة أخرى.

إن منطق الدعاية الذي يعتمده المؤتمر الوطني في ظل هذه الاستراتيجية عبر تلك المبادرة الفاشلة هو فقط التشويش على أفكار عامة الناس وتشكيكهم في أحزاب القوى الثورية بذلك الخطاب التكفيري الهوياتي الرخيص، مستغلين في ذلك “ذهنية إنقاذية” محتملة لكثيرين من البسطاء الذين صاغوا لهم مفاهيم ومقولات إسلامية مفخخة لـ30 سنة، وموظفين ذلك الفهم الخطير لمفاهيم الإسلام كـ”التكفير” ضد مواطنين مسلمين من منسوبي الأحزاب المناوئة لهم.

لقد رأينا للأسف كيف تماهى بعض قياديي الحركات المسلحة، مثل حركة العدل والمساواة ذات التوجهات الإسلامية، بلا خجل في تواطؤ مكشوف ومضلل مع المؤتمر الوطني، كما عبر عن ذلك أحد قيادات حركة العدل والمساواة سليمان بارود صندل في مؤتمر صحافي الإثنين الماضي، حول إعلان سياسي مزمع من طرف الحركات المسلحة حين ذكر مبادرة “أهل السودان والتوافق الوطني”، التي هي مبادرة حزب المؤتمر الوطني ضمن المبادرات في الساحة، في الوقت نفسه قال إن “السودان يسع الجميع ماعدا حزب المؤتمر الوطني الذي لفظه الشعب السوداني تماماً”.

خطورة خطاب الهوية تكمن في أن نهاياته الضرورية في العلاقة مع الآخر الحميم والمختلف تفضي إلى التكفير والإقصاء، ولذلك لجأ خطاب الإخوان المسلمين إلى خصخصة مفاهيم الإسلام، وتحريفها عبر ابتداع مرجعيات جديدة تتماهى مع المنطق الداخلي الأيديولوجي لفهمهم المحرف لتلك المفاهيم، ولهذا حرفت أفكار الإخوان مفاهيم شرعية أصيلة للإسلام، عرفها المسلمون طوال تاريخهم عبر مرجعيات التقليد العلمي السني ومذاهبه الفقهية الأربعة، عن معانيها العلمية والمعرفية مثل: “الجهاد” و”الجماعة” و”الشريعة” و”التكفير” و”الدعوة” و”الهجرة” و”الخلافة” و”التمكين” وغيرها، فتحولت بسبب ذلك الفهم الأيديولوجي من مفاهيم علمية منضبطة إلى مفاهيم محرفة ومفخخة بالعنف الذي يتوسل به حزب المؤتمر الوطني العودة إلى حكم السودان مرة أخرى.

لكن هيهات لأن الشعب السوداني اليوم كله مدرك ومصمم على ألا يعود الإخوان المسلمون إلى حكم السودان ثانية، ومتى ما لم يكف الإخوان المسلمون عن محاولاتهم المستميتة للعودة إلى السلطة على الرغم من أنف هذا الشعب، فإن خطر عودتهم هو الخطر الأكبر على السودان ووحدته، إذ إن انفجار الأوضاع والوصول إلى نقطة اللا عودة بالحرب الأهلية الشاملة والمدمرة لكل السودان هو البديل الوحيد الذي سيكون أمامهم.

عن مصدر الخبر

كتب :محمد جميل أحمد

عن مصدر الخبر

جريدة اندبندنت البريطانية