السودان الان السودان عاجل

جريدة لندنية: طائف جديد لحل الأزمة السياسية في السودان..وسيط خارجي متزن يعيد رسم خارطة اللاءات

التمهيد لطائف جديد لحل الأزمة السياسية في السودان
السعودية تهيئ الأجواء لتسوية عملية بين القوى المدنية والعسكرية.
وسيط سعودي متزن يعيد رسم خارطة اللاءات

بجمعها لأول مرة منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر القوى المدنية السودانية والمجلس العسكري على طاولة حوار واحدة، حققت السعودية اختراقا هاما في الأزمة السودانية وهو ما عجزت عنه حتى الآن الآلية الأممية. ويشير مراقبون إلى أن علاقة الرياض المتزنة مع الأفرقاء في السودان تمهد لحل عملي للأزمة السياسية.

الخرطوم – كشفت مصادر سودانية أن المملكة العربية السعودية تنشط حاليا للمساهمة في حل الأزمة السياسية المحتدمة، مستفيدة من رصيدها التاريخي وثقلها الإقليمي، وعلاقاتها الجيدة مع جميع القوى المدنية والمكون العسكري الحاكم، على أمل التوصل إلى صيغة أشبه باتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية في لبنان.

وأكدت المصادر ذاتها لـ”العرب” أن الكثير من القوى السودانية مرتاحة لدور الرياض وتبدي تجاوبا معه، لأنها تملك مقومات سياسية ومادية تمكنها من إحراز تقدم في الأزمة الراهنة، ولديها مخرجات للحل يمكن أن تشق طريقها بنجاح هذه المرة.

وأدت رعاية السعودية بالتعاون مع الولايات المتحدة إلى عقد أول لقاء مباشر جمع بين وفد من قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) ووفد من الجيش في منزل السفير السعودي في الخرطوم علي حسن بن جعفر، وحضور مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون أفريقيا مولي فيي الخميس الماضي.

الواثق البرير: القوى السياسية ترغب في استمرار الدور السعودي

وتعززت التوقعات حول تنامي دور الرياض مع إعلان الآلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد تعليق جلسات الحوار الذي تقوده بين قوى سودانية مختلفة، والذي كان من المفترض أن يستأنف الأحد ويواصل اجتماعاته.

وعلى الرغم من صدور بيان من السفارة السعودية بالخرطوم الجمعة أن اللقاء الذي جرى في منزل السفير بن جعفر لا يمثل بديلا لعمل الآلية الثلاثية، إلا أن تأجيل الآلية جلساتها لأجل غير مسمى يؤكد أن عملها تعتريه بعض الأشواك السياسية بعد أن تأكدت من صعوبة إحراز تقدم وفقا لمنهج عقيم تتبعه وتعترض عليه قوى متباينة.

وأصبح المجال أمام الرياض ممهدا للتوصل إلى نتيجة إيجابية في الأزمة من خلال البناء على اللقاء الأول بين وفدي الحرية والتغيير والمؤسسة العسكرية منذ أكتوبر الماضي، ما يعني إمكانية تحريك المياه الراكدة والوصول إلى توافق حول صيغة مرنة تحفظ للسودان أمنه واستقراره والتطلع إلى تسلم القوى المدنية للسلطة.

وربط مراقبون بين ما تقوم به السعودية على صعيد تفكيك الأزمة السودانية وما قامت به على مستوى الأزمة اللبنانية عندما تمكنت في سبتمبر 1989 من إقناع أطياف لبنانية متصادمة على توقيع اتفاق الطائف وطي واحدة من الصفحات القاتمة في لبنان.

ويقول المراقبون إن السعودية لديها مجموعة من الأسباب تدفعها للتطلع إلى القيام بدور إقليمي في الأزمة السودانية الآن، وتجد أن أجواء دولية وإقليمية ومحلية مواتية لتحقيق اختراق، ما يعزز مكانتها كقوة تعمل على توفير الأمن والسلم في المنطقة.

وأوحت مشاركة مولي فيي في اللقاء الذي عقد بمنزل السفير السعودي بدعم الإدارة الأميركية للخطوات السعودية وتسوية الأزمة السياسية في السودان، ما يتماشى مع جهود سابقة شارك فيها البلدان، مع بريطانيا والإمارات، حيث صدر بيانان من الدول الأربع ظهرت فيهما رغبة واضحة برفض الانقلاب العسكري في أكتوبر الماضي، ودعم المطالبة بتسليم السلطة لحكومة مدنية.

وتمر العلاقات بين واشنطن والرياض بفترة حرجة يُعاد فيها تقييم الكثير من القضايا محل الاهتمام المشترك، ومن غير المستبعد أن تلعب الأولى دورا في مساعدة الرياض للقيام بدور مفصلي في حل الأزمة السودانية يذيب بعضا من السحب المتراكمة بين الولايات المتحدة والمؤسسة العسكرية في السودان، ويمهد الطريق في تخفيض مستوى الخلاف بين العاصمتين في قضايا مختلفة.

ويشير دعم واشنطن لاستعادة الرياض لدورها الحيوي في واحدة من الأزمات الساخنة بالمنطقة إلى استعدادها لتطوير آليات التعاون معها على المستوى الإقليمي في ملفات أخرى لا تقل حيوية.

وبعد أن نأت السعودية عن التدخل في الأزمة اللبنانية حاليا لأسباب تتعلق بموقفها الرافض لهيمنة حزب الله على مفاصل السلطة ورفض سيطرة إيران على مفاتيح الحل والعقد، تبدو راغبة في التوصل إلى اتفاق بشأن السودان على غرار الطائف يضع حدا للأزمة السياسية الراهنة التي يؤدي انفلاتها إلى تداعيات إقليمية وعرة.

علاقة الرياض المتزنة بالمكونين المدني والعسكري في السودان تؤهلها للعب دور محوي في تجاوز الأزمة

وقال الأمين العام لحزب الأمة القومي الواثق البرير إن السعودية ظلت منذ انقلاب أكتوبر الماضي تعمل في كل الاتجاهات لحل الأزمة وقدمت رؤية متزنة بين دعم تطلعات الشارع والقوى السياسية الثورية والحفاظ على شعرة معاوية مع المكون العسكري، ولعبت دورا بحنكة ورشادة ساعد على أن تكون لديها مؤازرة في الحل.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن المصالح المشتركة بين البلدين جعلت الرياض تحافظ على علاقات متوازنة بين السلطة الحاكمة والشعب، وأن اهتمام السعودية بأمن البحر الأحمر جعلها تسير في هذا الاتجاه بلا هوادة وبما يقود إلى تهدئة الأوضاع.

وأوضح أن القوى السياسية، وفي القلب منها تحالف الحرية والتغيير، ترغب في استمرار الدور السعودي المدعوم دوليا، والأيام الماضية كانت شاهدة على محاولات متعددة على مستوى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أو سفير المملكة في الخرطوم بن جعفر لتقريب وجهات النظر بين الأفرقاء في السودان.

وأشار البرير، والذي شارك كممثل لقوى الحرية والتغيير في الاجتماع مع قيادات عسكرية في منزل السفير السعودي، إلى أن اللقاء اتسم بالشفافية وشهد ما يمكن وصفه بعملية إخراج الهواء الساخن في نفوس الطرفين وقدم كل طرف رؤيته للأسباب التي قادت للتدهور، وأن المكون العسكري اعترف ببعض الأخطاء، لكنه رفض تحمل المسؤولية بمفرده.

ولم يتم تحديد موعد جديد لعقد لقاء ثان، غير أن التوافق الذي شهده اللقاء الأول في مسألة تقديم نقاط رئيسية للحل يدعم دور الرياض في المرحلة المقبلة، خاصة أن ثمة متابعة دائمة من السفارتين السعودية والأميركية في الخرطوم.

ولا تستعجل الرياض الوصول إلى هذه النقطة وتريد تبريد الأزمة أولا والاستفادة من انفتاحها على المكونين المدني والعسكري وتوظيف ارتفاع منسوب الثقة فيها بعد أن نجحت في توطيد العلاقات مع القوى الرئيسية ووعدت باستثمارات سخية تسهم في تخفيض حدة الأزمات الاقتصادية التي تواجه أي سلطة دائمة أو مؤقتة في البلاد.

عن مصدر الخبر

جريدة العرب اللندنية