السودان الان

الثالث من يونيو في الذكرى الثالثة لفض الاعتصام تفاصيل وحكايات ما لا ينسى

مصدر الخبر / صحيفة السوداني

الخرطوم :الزين عثمان

في مثل هذا اليوم وقبل ثلاث سنوات كان حراس المتاريس يفحصونها بعيونهم التي جافاها النوم، في انتظار أن تلقي ثورتهم ثمرها، ينظرون هناك باتجاه المباني العالية حيث جنود الجيش وأصواتهم تردد: (الجيش معانا وما همانا) كانوا وقتها يستدعون تفاصيل سابقة حين وقف النقيب حامد يذود عنهم وردد الملازم محمد صديق عبارته: (الرهيفة التنقد) لكن الرهيفة انقدت وخرج عليهم الناطق بلسان المجلس العسكري الفريق شمس الدين الكباشي يخبرهم بعد الفاجعة قائلا إنه (حدث ما حدث).. وكان الحدث الأبشع في التاريخ السوداني. اعتصام القيادة كان أجمل ما حدث في هذه البلاد والبشاعة التي تم فضه بها كانت أسوأ ما حدث في السودان في الذكرى الثالثة للمذبحة اليكم بعض تفاصيل وحكايات ما لا ينسى
أكثر من كونه تاريخ
يقول رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير حين استدعائه ما حدث في الثالث من يونيو أن فض اعتصام القيادة ليست مجرد ورقة تسقط من الروزنامة بل ذكرى تراجيديا البطولة والألم المرسومة في الوجدان بالدماء ربما هنا عليك استدعاء تفاصيل فيديو الشهيد عباس فرح وهو يترنح ولا يسقط دفاعًا عن الترس الذي لم يكن أكثر من محاولة للدفاع عن الرفاق والحلم معًا.
هنا تحاول (السوداني) رفع بعض الحجب عمَّا حدث في (الليلة ديك) تستنطق عبر الدموع والعجز من كانوا هناك يومها ممن جلسوا يرتبون التفاصيل للعيد السوداني الأول في غياب القتلة ولكنه كان غياب نوع فقط وظلت الدرجة في عدم تقدير أرواح الناس هي نفسها غاب البشير ولكن لم تغب أدوات قتله التي تركها وعادت لتفعل في قلب الخرطوم ذات ماكانت تفعله في أقاصي البلاد البعيدة وتؤكد على فرضية أنها بلاد كلما ابتسمت حط على شفتيها العذاب.
حكاية نضال
قررنا البقاء في الميدان والدفاع عن ثورتنا مهما كلفنا ذلك تبدأ نضال أحمد الناشطة السياسية إفادتها لـ”السوداني: باعتبارها شاهدة على ما حدث بقرارهم البقاء داخل الميدان وذلك في أعقاب ارتفاع الهمس إلى جهر البعض بقولهم إن ساعة صفر تدمير المدينة الفاضلة قد شارفت كانت رسالة مقتضبة يتم تبادلها (سيتم فض الاعتصام) نضال كانت واحدة من الآلاف الذين شهدوا لحظات فض الاعتصام صبيحة 29 رمضان الموافق الثالث من يوليو تستدعي الآن الشابة تفاصيل ما حدث بكل ما فيها من وجع لم تندم نضال علي قرارها بالبقاء يومها لكنها تردد وبكامل الحسرة ليتني كنت من الشهداء (كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة) نضال كانت مثل كثيرين يظنون أن الهجمة من أجل فض الاعتصام ستنتهي مثل المحاولات السابقة وان الجيش سيتصدى للمهاجمين مثلما فعل في أيام إبريل الأولى، لكن ذلك لم يحدث.
الخامسة بتوقيت الغدر
تحكي نضال وهي تؤكد أنها تشاهد أمامها الشريط وكأنه لا يزال يحدث أمامها.. الأمر بدأ مع صلاة الصبح حين بدأ هجوم (الجنجويد) وفقاً لتعبيرها وأنهم ساعتها كانوا بالقرب من النفق وكان عليهم العودة لكلية الأشعة وذلك لحمل عدد من الأجهزة والمواد الإعلامية التي كانوا قد وثقوا لها سلفاً من خلال المكتب الإعلامي عقب عودتهم إلى كلية الأشعة تقول نضال إنهم كانوا خمسة أفراد داخل المكتب اضطروا لحبس أنفاسهم حتى لا يشعر من يمارسون الموت والتقتيل والخراب في المقر سماع أصواتهم وأنهم في جلستهم تلك كانوا يسمعون أصوات اقتحام المكاتب والصراخ الذي سرعان ما يخفت لصالح صوت البنادق، وقالت إن الجنود من فوقهم كانوا يطلقون الرصاص من أعلى الغرفة التي يوجدون فيها لمزيد من إثارة الخوف والهلع، لكن بعدها تم النقاش فيما بينهم على ضرورة مغادرة المكان لأنه في حال تمت مداهمتهم هنا ستتم تصفيتهم.. وبعد الخروج ثمة حكايات أخرى تسردها نضال بعد خروجهم من المكتب إلى الساحات الممتلئة بالدماء.
غنائم
تقول نضال بعدها خرجوا إلى حوش كلية الأشعة التي كانت ممتلئة بالجنود وهم يرددون هتافات هستيرية قائلين غنائم غنائم نضال كانت برفقة زوجها في ميدان الاعتصام لكن كان عليهم إنكار أي علاقة بينهم من أجل سلامتهم ، وتعود لتكمل كان المهاجمون يهتفون غنائم وإنهم كانوا يتصارعون حول ضرورة اغتصابها هي ورفيقتها بينما وقف أحد صغار الجنود ضد أن يتم اغتصابهما في وقت كان فيه آخرون يقومون بخلع ثيابهم لممارسة العملية وتضيف: “إنت فاهم كان بتصارعوا على اغتصابنا” تضيف أن زوجها وقتها كان يتعرض للضرب من خلفهم وهي العاجزة عن النظر إليه حتى لا ينكشف أمرهم. تقول إن من رفض اغتصابهما تعرض لضرب عنيف لكنه نجح في نهاية الأمر في الخروج بهم إلى الخارج باتجاه مبنى القوات البرية. بالنسبة لها فإن ما حدث يومها كشف لها المعاناة في أقاليم أخرى من السودان.
تكشيرة النجاة
ما لا تنساه نضال أنهم وبعد خروجهم حاولوا الاحتماء بمبنى القوات البرية إلا أن القائد رفض ذلك بحجة أنه لا يوجد مكان لهم بالداخل وأشار إليهم بركوب عربة تتبع للدعم السريع ورددت ان كنت ترغب في تسليمنا للجنود أخير تطلق علينا الرصاص لنرتاح. و بعد أن رفضت الصعود على عربة الدعم السريع نشبت معركة أخرى وقتها نهض أحد عساكر القوات المسلحة وقال إنه سيقوم بإخراجهن لكن القائد رفض ذلك فلم يكن منه غير ترديد (مخالف سعادتك) “لم يكن هذا الجندي يحمل أي سلاح بل إننا كنا نحتمي فقط بصرة وجهه وغضبه المكتوم من كل الذي يحدث ..تعرضنا لكل أنواع الضرب والاستفزازات وكان المدججون بالسلاح يقولون في وجوهنا كنتم تهتفون “كل البلد دارفور أها جبنا ليكم دارفور هنا”. كان طريق الخروج محاطًا بالجنود الذين يضربون الجميع بخراطيش يحملونها طوال هذه المسيرة كان العسكري الذي يقودهم في طريق النجاة محتفظاً بتقطيبة وجهه و(بصرَّته) حتى وصولهم إلى منطقة السكة الحديد وسط مطاردات من التاتشرات إلا أن التصاقهم بالجدران كتب لهم عمرًا جديدًا.. بعد السكة الحديد كان هناك ترس قد تم نصبه مما دفع العسكري لإخبارهم بأن هذا يعني أنه يوجد بعض الأمان وأن عليه العودة.. تقول إنها بعد ذلك ظلت مقطوعة عن العالم لأن العسكر نهبوا كل شيء من هواتف وحقائب يدوية ولم يتركوا سوى الملابس.. بالطبع تظل ذاكرة فض الاعتصام بالنسبة لنضال ولزوجها عز الدين حريكة غير قابلة للنسيان، ووجعًا يتمدد، وإن كان حالهم أفضل من حال كثيرين فقدوا أرواحهم ومجموعة ظلت مفقودة حتى الآن.
حراس المتاريس
يقول حسن عابدين المنتمي لحزب البعث العربي الاشتراكي وأحد شهود العيان لفض الاعتصام وعضو لجنة الميدان وهو صاحب قصيدة (الظالمون لن يعودوا من جديد) إن ما حدث يومها كان فوق التصور مثله وصمود الشباب السوداني في الدفاع عن حلمهم في المتاريس وتحديداً حراس المتاريس لكن بالنسبة لحسن فإن الأمر لم يكن وليد لحظة ما بعد صلاة الصبح بل كان يمكن مشاهدته ومعرفته منذ وقت باكر في الميدان حيث كانت تؤكد معظم المشاهد على أن الفض قادم- قادم خصوصًا عقب رصدهم لحركة كبيرة لمنسوبي أمن النظام السابق والأمن الطلابي في ميدان الاعتصام لدرجة أنهم نجحوا في الاستيلاء على معظم المتاريس قبل وقت كاف من ساعة الصفر وهو الأمر الذي جعل الطريق أمامهم مفتوحًا لتحقيق ما يريدونه.
يقول حسن إن عملية فض الاعتصام برمتها لم تستغرق أكثر من أربعين دقيقة تمت فيها مساواة كل شيء بالأرض استبسل فيها الشباب من أجل الدفاع عن حلمهم وتعرضوا لكل أشكال التجاوزات لكنهم واجهوا الموت ببسالة تشبه ثورتهم التي لم تنته بعملية فض الاعتصام. يؤكد حسن الذي كان عضوًا في لجنة الميدان على حقيقة أن الجيش الموجود في القيادة لم يكن مسلحًا وأنه كان بسيطًا مقارنة بأوقات سابقة ويضيف أن بعض الجنود قتلوا ساعة خروجهم لاستطلاع الأوضاع بعد بدء العمليات وأن بعضهم تبادل إطلاق الرصاص لكن الأمر لم يستمر طويلًا.. كاشفًا عن وصول عدد من عربات جهاز الأمن قبل فض الاعتصام ووصول عدد من السيارات الكبيرة المحملة بجنود الشرطة وارتكازها داخل دار الشرطة لكن الأمر لم يستغرق وقتًا طويلًا وسرعان ما تم سحبها قبل بدء عمليات الفض بربع ساعة وارتكزت بعدها بالقرب من مركز التدريب الشرطي في السوق الشعبي بالخرطوم. ويكشف حسن أنه بعد بدء العملية اتصل بقيادات في قوى الحرية والتغيير كانت وقتها في اجتماع الخرطوم 2 من أجل وضع الترتيبات النهائية للاتفاق مع المجلس العسكري وأبدت دهشتها وإنكارها لعملية الفض.
الناجون لم ينجوا
في الذكرى الثالثة لفض الاعتصام لم ينجَ حتى الذين نجوا منها فلا يكاد منزل يفرغ من جرح كتب عليه صنع في القيادة ما يزال مؤمن احمد عباس يحمل رصاصة في جسده رصاصة أطلقت عليه في الميدان صبيحة الفض لكنها لم تكن كافية لأن تجعله يتراجع عن مواصلة الثورة والسعي لبناء سودان باكر مؤمن ليس وحده ..كثيرون وكثيرات نقلهم ذات الرصاص لكنهم يرددون أن أصعب ما في تفاصيل فض الاعتصام ليس جروح الخارج المؤلم فيها تلك الجراح التي تسكن الأعماق الإحساس بغدر من استأمنه على أرواحنا العودة مرة أخرى لنجد أنفسنا في مواجهة غدر من استأمنته على ثورتنا أن نجدنا بعد ثلاث سنوات في عهد طوارئ جديد وانقلاب وقبل أن تجف دماء يوليو تأتي الفترة ما بين أكتوبر ويونيو بدماء 100 سوداني تحت دعاوى إصلاح المسار
في الذكري الثالثة لفض الاعتصام خطاب من أسرة الشهيد كشة للرأي العام تكشف فيه عن رفضها الاستجابة لدعوة تلقتها من رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال فولكر بيرتس لحضور احتفال لإحياء ذكرى الشهداء و تبرر رفضها عجز الرجل عن دعم التحول الديمقراطي بما يؤدي للإنصاف والعدالة في العام الثالث لذكرى فض الاعتصام ما يزال رئيس لجنة التحقيق في فض الاعتصام يبحث عن مبررات تأخير النتائج المنتظرة نبيل أديب يردد على مسامعكم عبارة (حدث ما حدث) ولكن بطريقة مختلفة يقول ثائر قبل ان يكمل من فض الاعتصام لم يفض الثورة التي تنتصر للحرية السلام والعدالة .

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة السوداني