كتابات

محمد جميل أحمد يكتب في انسداد السياسة السودانية

مصدر الخبر / المشهد السوداني

يوماً بعد يوم يتبين للمراقب على الساحة السياسية السودانية أن ثمة أزمة كبيرة لا تتصل فقط بطبيعة الفعل السياسي المعطوب، بوصفه انعكاساً لأسباب الممارسة القمعية، طوال 30 عاماً منذ انقلاب نظام “الإخوان المسلمين” العام 1989، ومن قبلهم نظام الجنرال جعفر نميري 1969، بل الأدهى من ذلك كما كشفت تجربة قوى الحرية والتغيير خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أن المأزق في انسداد السياسة السودانية يتصل كذلك بأزمة كيانية في أصل بنية التكوينات الفاعلة تاريخياً في العمل السياسي، أي الأحزاب السياسية السودانية، ويمتد هذا العطب الكياني للممارسات السياسوية منذ نشأة الحزبين الطائفيين الكبيرين، عشية انقسام مؤتمر الخريجين إلى حزب “الأشقاء” و”الأمة” اللذين احتضنتهما الطائفية الدينية والعشائرية، على الرغم من المظهر “الحديث” لهما كحزبين سياسيين يتعاطيان تدبير الشأن العام.

العطب الكياني

يقول الدكتور منصور خالد، وهو أعمق مفكر سياسي سوداني شرّح أزمة البنية الكيانية للأحزاب، في توصيف العطب الكياني للحزبين الكبيرين، “لم تفلح كل مظاهر الحداثة في أن تنتزع عن القيادات “السياسو-دينية” صفات القداسة والتبجيل، على الرغم من أن نجاح الديمقراطية يستلزم أن تكون قواعد الأحزاب قادرة على محاسبة قادتها، ولكن من الذي يستطيع محاسبة رجل مقدس، فالمحاسبة أيضاً تقتضي أنسنة القائد، وشتان بين القائد المقدس والقائد الإنسان، ففي كل الدول الديمقراطية يتعرض القائد السياسي للهتاف ضده، كما يتعرض في بعض الأحايين للرمي بالطماطم والبيض الفاسد، وهذه الممارسات ضد القادة، وعلى الرغم من وقاحتها، يسميها المعلقون في بلادها “تعريض القائد للتجارب الازدرائية “humbling experiences” التي تجعله يحس بأنه بشر مثل الآخرين”، ويضرب منصور خالد مثلاً لذلك بزعيم “حزب الأمة” الراحل السيد الصادق المهدي الذي جمع بين إمامة الأنصار ورياسة الحزب، فلقد ظلت تلك الآفة المعوقة والمتنافية مع منطق العمل السياسي من أصله، أي الاستناد إلى الطائفية والعشائرية في العمل السياسي العام، هي أصل العطب الذي ظلت ممارساته الخاطئة في التجريب السياسي تتراكم في أطوار تجارب الحكم الديمقراطي في السودان خلال مراحله القصيرة التي مرت على هذا البلد خلال الخمسينيات والستينيات والثمانينيات، وصولاً إلى تجربة ما بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 للمرحلة الانتقالية المغدورة بانقلاب العسكر في الـ 25 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وكان المقلب الآخر لمأزق الأحزاب السياسة السودانية يتمثل في ظهور الأحزاب العقائدية الحديثة منذ خمسينيات القرن الـ 20، مثل الحزب الشيوعي السوداني والحركة الإسلامية “المسلمون” ذات الشكل التنظيمي الحديث والمنظور الأيديولوجي الرث، اللذين لعبا دوراً حاسماً في التماهي مع أجواء الاستقطاب الأيديولوجي خلال الحرب الباردة، مما أدى إلى انسحاب كثيرين من منسوبي الحزبين الطائفيين الكبيرين والانضمام إلى الأحزاب العقائدية، ليعيش السودان فصلاً جديداً من تجريب حالات العطب الكياني المضاعف في ممارسات الأحزاب الأيديولوجية الخطرة بلعبة السياسة، أي في تدبير الانقلابات العسكرية مثل انقلاب الشيوعيين الذي نفذه الجنرال نميري العام 1969، وانقلاب الإسلاميين الذي نفذه الجنرال عمر البشير العام 1989.

وهكذا فما إن نجحت ثورة الـ 19 من ديسمبر 2018 في إسقاط البشير، إلا وبدا الأمر كما لو أن بداية جديدة واعدة للأحزاب ذاتها، لعلها تستفيد فيها من إخفاقات ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل (نيسان) 1985.

لكن تجربة أحزاب قوى “الحرية والتغيير” خلال الأعوام الثلاثة الماضية (2019 – 2021) دلت تماماً على أن العطب الذي تنطوي عليه الإعاقة في تلك الأحزاب أكبر بكثير مما يمكن أن يتم إصلاحه، بحيث يمكننا القول إنه إذا ما أتيحت اليوم فرصة أخرى لأحزاب قوى “الحرية والتغيير” لتسلم السلطة مرة أخرى، فإننا سنواجه الفشل ذاته الذي مر بنا خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

وعلى هذا المنوال المضاعف للأزمات سار التاريخ السياسي للسودانيين بوتيرة تراكمية بدت فيها الخطايا في كل مرحلة من مراحله أسوأ من أختها، ولقد كان تضاعف الأخطاء في الأزمة الكيانية للأحزاب يتجدد أيضاً بوتيرة أسوأ، ويمكننا ملاحظة ذلك مثلاً في أنه خلال الخمسينيات والستينيات وفي وقت كان راعيا الحزبين الطائفيين الكبيرين، حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، كل من عبدالرحمن المهدي و علي الميرغني، لا يمارسان السياسة بصورة فعلية مع الاكتفاء بالتوجيه والإرشاد، أتت بعد ذلك مرحلة تم فيها توحيد السياسة والإمامة في حزب “الأمة” على يد الصادق المهدي الذي تم انتخابه إماماً لطائفة الأنصار ورئيساً لحزب الأمة في الوقت ذاته العام 2003.

أزمة دارفور

ولعل هذا النموذج آنف الذكر يبين لنا كيف سارت الأمور، ففي ذلك العام الذي جمع فيه الصادق المهدي بين إمامة “الأنصار” ورئاسة “حزب الأمة”، كانت أزمة دارفور تتبلور نتيجة تحزيب الكيانات الأهلية على نحو قبائلي عنصري من طرف حكومة “الإخوان المسلمين” بقيادة البشير التي قامت بتسليح القبائل العربية في دارفور منذ العام 2003 ضد القبائل الأخرى غير العربية، وهو ما أدى إلى تفاقم الأوضاع مع مرور السنوات حتى راح ضحية مأساة دارفور أكثر 300 ألف قتيل.

واليوم وخلال هذه الأزمة الخطرة القابلة للانقسام على صيغة السودان ذاته والدخول المحتمل إلى فوضى لانهائية بعد الانقلاب المشؤوم للعسكر في الـ 25 من أكتوبر الماضي، تقف الكيانات السياسية على مفترق طرق، والغريب في الأمر أنّا سنجد الانسداد سيد الموقف في الأطراف كافة، والعسكر والأحزاب والحركات المسلحة ولجان المقاومة، في تجل ظاهر وامتحان بائن لمأزق السياسة السودانية وانسدادها.

إن أول درس يمكن أن نستفيد منه أمام هذا المشهد المأساوي المركب يدلنا على أن أي تفصيل ولو كان بسيطاً في أي خطأ طال ممارسات العمل السياسي الحزبي منذ ما بعد الاستقلال، سيكون له أثره السلبي المنهجي والعميق في مستقبل العمل السياسي السوداني لا محالة، فإذا ما استصحبنا كمية الأخطاء المنهجية وفق هذا التصور، فعلى أي نحو سيمكننا أن نؤشر إلى الخطايا المتراكمة في جسد العمل السياسي السوداني طوال تاريخه؟

إن التعايش مع تراكمات الأخطاء في الممارسات السياسية للأحزاب، والظن في الوقت ذاته بإمكان التطور على الرغم من تلك الأخطاء الفادحة، هو الذي يعيد إنتاج تلك الأخطاء بأخطر مما كانت تؤدي إليه في كل مرة جديدة، وهذا ما يبدو اليوم بوضوح من خلال عجز القوى السياسية الحزبية عن الوحدة، وهي ترى خطراً حقيقياً ماثلاً على مصير السودان برمته بانقلاب الـ 25 من أكتوبر، ومع ذلك فلا تتصرف تلك القوى السياسية على مقتضى العقل والمصلحة الوطنية لا الحزبية.

تجديد أزمات

وإذا تصور كل حزب أو كل جبهة حزبية، على الرغم من هذا الخطر المحدق، أن في إمكانه القدرة على ايجاد الحل وحيداً، فهو فقط يعيد تجديد أزمات لم تمل منها القوى الحزبية السودانية منذ أكثر من نصف قرن، وهنا في مثل هذه المواقف الحزبية المنفصلة عن الواقع، كما يفعل الحزب الشيوعي اليوم، سنكتشف في الحقيقة أن التمثيلات التي تقف وراء رؤى تلك الأحزاب إنما هي في الحقيقة تجسيد لنظم إدراك ذي طائفية ضيقة في جوهرها وأوتوقراطيه في الوقت ذاته، كما ستتكشف حقائق أخرى خطرة وأكبر من ذلك بكثير نتيجة ذلك الفهم، وهي تلك المتمثلة في خطايا التقدير والتصور اللذين ظلت تضمرهما القوى الحزبية في الخرطوم، بحسبان أن حالها الخرطومية المحدودة تلك هي ذاتها المثال المفترض في كل أنحاء السودان، في وقت لم تكن أنحاء السودان الأخرى مثيلة للخرطوم ولا شبيهة لها، بحسب ذلك القياس الفاسد.

ونتصور أن هذا الانسداد في رؤية الأحزاب السودانية مؤشر إلى عطب أكبر تجلت لنا مفاعليه اليوم تماماً وبوضوح، من خلال العجز عن العمل بمقتضى العقل في مواجهة الأزمات الكيانية التي تحدق بالسودان على يد الانقلابيين، وإن للواقع الموضوعي قوانين وشروطاً وإكراهات لا تخضع للأماني التي تتصورها التهيؤات الأيديولوجية للأحزاب، وإذا ما بدت تلك الأحزاب تعيد إنتاج أخطائها، وهي أخطاء نظم إدراك لا أخطاء ممارسة وحسب، فإن الانسداد سيتفاقم في وجه الأزمة السودانية الماثلة.

لا تقبل الفراغ

وبما أن السياسة مثل الطبيعة لا تقبل الفراغ، فإن ثمة تعقيدات كثيرة دولية وإقليمية تتحرك في مياه الأزمات التي تحدث في العالم وفق إيقاع المصالح التي تعكسها تلك الأزمات، مثل حرب روسيا ضد أوكرانيا، الأمر الذي قد يجعل المطامع في الفوائد الجيو-ستراتيجية على السودان تتغلب في أجندة المجتمع الإقليمي والدولي على الميل إلى مناصرة الشعب السوداني وقواه الثورية العاجزة، فأزمة الغذاء الطاحنة اليوم التي يخيم شبحها على العالم على خلفية الهجوم الروسي على أوكرانيا قد تصحبها متغيرات جديدة في أجندة المجتمع الإقليمي نحو السودان الذي يعتبر من “سلال غذاء العالم”، وهي متغيرات ستجد صدى لها داخل القوى والأطراف السودانية المتصارعة.

يوماً بعد يوم سيتكشف للسودانيين تحت وطأة إكراهات قوانين الواقع وشروطه الصارمة، ليس فقط أن أخطاء القوى السياسية التي اضطلعت بأمر هذا البلد تاريخياً هي التي نجني حصادها المر اليوم، وإنما كذلك سيتكشف لهم أن هذا الطريق المدمر للأحزاب السودانية ما زال واعداً بمزيد من الخطايا، ومع ذلك فثمة أمل يتمثل في إصرار الشعب السوداني، لا نخبه السياسية، على مواصلة الثورة على نحو لا رجعة فيه، كما نلاحظ منذ انطلاق مليونيات ما بعد انقلاب الـ 25 من أكتوبر وإلى اليوم، إذ لم تخفت وتيرة الاحتجاج الثوري كما توقع كثيرون.

حاجة ملحة

وهناك حاجة ملحة اليوم إلى إسناد القوى الثورية المتمثلة في لجان المقاومة بكثير من الأفكار والمواقف السياسية من قبل مفكرين سودانيين ومنظرين بارزين، ربما تعين عليهم الآن دعم تيار لجان المقاومة وتطوير الكتلة التاريخية التي يبلورها هذا التيار للخروج من هذا المأزق الذي أعطب القوى السياسية والحزبية في السودان منذ زمن بعيد، وما زال عطبه، كما ذكرنا، ماثلاً وسبباً أساساً في تجديد خطايا تلك الأحزاب، ولن تكون منصفاً في ما لو عرفت الخطايا التي تراها تتجدد مرات ومرات في ممارسات الأحزاب السودانية، وتتوقع في كل مرة نتيجة مختلفة، ومع ذلك فهناك إمكان ضعيف لكنه محتمل في أن نرى مواقف ايجابية لتلك الأحزاب عبر هذا المنعطف الذي يمر به السودان اليوم.

اندبندينت عربية

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

المشهد السوداني