السودان الان

“جدل التطبيع مستمر” دعوات التطبيع مع إسرائيل التي أطلقها مبارك الفاضل ليست الأولى ولن تكون الأخيرة فهل ستقود فعلا إلى الاعتراف بأرض الميعاد؟

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – عبد الرحمن العاجب
جدل كثيف صاحب تأسيس دولة الكيان الإسرائيلي في الرابع عشر من مايو 1948م والتي تسمى زورا الدولة القوميّة لليهود، غير أن الواقع يؤكد أنها ظهرت على أراضي فلسطين التاريخية، بعد أن بدأ عدد كبير نسبيا من أعضاء الجماعات اليهودية في الهجرة إلى أرض فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر، وفي ذلك الوقت أعلن (ثيودور هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية العالمية ميلاد الحركة الصهيونية التي يتمثل أهم أهدافها في إيجاد حل للمسألة اليهودية، ومنذ ذلك الحين اتسم موقف الدول العربية بالضبابية تجاه قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
(1)
وفي الحالة السودانية أيضا ظل موقف القوى السياسية منقسما تجاه القضية الفسلطينية منذ أمد بعيد، وظل الموقف مـتأرجحا صعودا وهبوطا حيال القضية الفلسطينية، ورويدا رويدا بدأ البعض يطلق دعوات خافتة للتطبيع مع إسرائيل، ولكنها تعالت بمرور الزمن، ولكن لازال الموقف السوداني منقسما بين مؤيد ومعارض للتطبيع مع إسرائيل، وفي ظل هذا الانقسام دعا مبارك الفاضل المهدي القيادي بحزب الأمة ووزير الاستثمار، إلى التطبيع مع إسرائيل، معتبرا القضية الفلسطينية أضرت بالعالم العربي.
(2)
وأوضح مبارك الفاضل المهدي في حديثه لبرنامج (حال البلد) الذي بثته قناة (سودانية 24) مساء (الأحد) الماضي أنه ينظر للتطبيع مع إسرائيل بتحقيق مصالح السودان، وتابع قائلا: “لا توجد مشكلة في التطبيع، والفلسطينيون طبعوا مع إسرائيل حتى حركة حماس”، وأشار مبارك إلى أن التعامل مع القضية الفلسطينية يتم بالعاطفة، وأضاف قائلا: “إن القضية الفلسطينية أخرت العرب جداً”، ودعا إلى أن تبحث أي دولة عن مصالحها، لافتاً إلى أن إسرائيل طوَّرت زراعة الحمضيات في مصر، ونبه الفاضل إلى أن إسرائيل دولة بها نظام ديمقراطي فيه شفافية وتتم فيها محاكمة المسؤولين وزجهم في السجون.
(3)
وفي أول ردة فعل لحديث مبارك الفاضل، قال أحمد بلال عثمان وزير الإعلام والمتحدث الرسمي باسم الحكومة السودانية أن موقف حكومته ثابت من التطبيع مع إسرائيل، وأضاف: “ليس لدينا أيّة نيّة للتطبيع مع إسرائيل، وهذا غير وارد”، وأضاف بلال في حديثه لموقع الميايدن نت: “عقدنا مؤتمر حوار شارك فيه كل السودانيين وأحد قراراته عدم التطبيع مع إسرائيل”، وأوضح بلال أن حديث مبارك الفاضل رأي شخصيّ، والحكومة ليس لها أية علاقة بحديثه حول التطبيع مع إسرائيل، وبرر بلال لدعوة مبارك الفاضل بأن الحكومة تم تشكيلها من أحزاب سياسية لها وجهات نظر مختلفة، واعتبر حديثه رأيا شخصيا وليس أكثر وتابع قائلا: “لو أن هذا التصريح صدر عن وزير من الحزب الحاكم لكان اعتُبر موقفا يعبّر عن الحكومة”.
(4)
هيئة علماء السودان هي الأخرى، ظلت موجودة بشكل واضح في المشهد السياسي للبلاد، تخلط مابين السياسي والديني، وأعلنت الهيئة بطلان دعوة مبارك الفاضل للتطبيع مع دولة الكيان الصهيونى، وقالت إن بطلان الدعوة يأتي للحفاظ على المصالح القومية للبلاد، وفي السياق أكد بروفيسور محمد عثمان صالح رئيس الهيئة في التصريح الذي نقلته وكالة السودان للأنباء تعارض الدعوة مع ثوابت الأمة الإسلامية ومؤتمر اللآءات الثلاث الذى عقد فى الخرطوم عام 1967م والتي تعني: “لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف بإسرائيل”، موضحا أن الدواعي للحفاظ على هذه الروح الرافضة للاعتراف بإسرائيل لا تزال قائمة مستشهدا بالعديد من الآيات التى تمنع المسلمين من التواصل مع الذين قاتلوهم فى الدين وأخرجوهم من ديارهم وحرضوا على قتلهم وعلى رأسهم اليهود ومن لف لفهم، وأشار إلى أن إسرائيل لم تجنح للسلم، وأنها لا تزال تمارس سياسة الانتهاكات في الأرض الفلسطينية، والتضييق على المسلمين فى المسجد الأقصى.
(5)
وفي الضفة الأخرى، استنكرت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) دعوة مبارك الفاضل وزير الاستثمار السوداني ونائب رئيس مجلس الوزراء القومي حول التطبيع مع إسرائيل، وقال بيان صادر عن الحركة تحصلت (اليوم التالي) على نسخة منه: “إننا نعتبر هذه التصريحات غريبة عن قيم ومبادئ وأصالة الشعب السوداني المحب لفلسطين والداعم للمقاومة”، وأضاف البيان: “التصريحات خارجة عن أعراف أمتنا العربية والإسلامية التي تمثل العمق الاستراتيجي لشعبنا ولقضيتنا العادلة”، ورأت حركة (حماس) بحسب بيانها أن التصريحات تنم عن جهل واضح بالقضية الفلسطينية، ودعت السودانيين إلى رفض هذه التصريحات المتناقضة مع المواقف المشرفة للسودان تجاه قضية فلسطين وحقوق شعبها المشروعة.
(6)
دعوة مبارك الفاضل للتطبيع مع إسرائيل لم تكن هي الأولى في الساحة السياسية السودانية وسبقتها دعوات عديدة، وفي فبراير الماضي دعا الشيخ يوسف الكودة رئيس حزب الوسط الإسلامي إلى التطبيع مع إسرائيل دون شروط منها، باعتبارها من أهل الكتاب، واعتبر المقاطعة العربية لإسرائيل التي استمرت لعقود لم تؤتي أكلها، ونبه الكودة إلى أن احتلال المسجد الأقصى لا يمنع إقامة علاقة مع إسرائيل، واستند على ذلك بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يمنعه وقوع بيت الله الحرام في أيدي المشركين من إبرام صلح الحديبيبة معهم، ولفت إلى عدم وجود ما يمنع شرعاً من دراسة الموقف من إسرائيل على غرار تركيا والأردن ومصر.
(7)
وكشف رئيس حزب الوسط الإسلامي عن تلقيه تهديدات من جهات ـ لم يسمها ـ طالبته بإلغاء المحاضرة التي نظمها منتدى النهضة والحوار وقتها، في قاعة طيبة برس بعنوان (العلاقة مع إسرائيل البعد الديني) وقال: “تلقيت تهديدات شخصية تطالبني بعدم فتح باب شر” وقطع الكودة بتمسكه بموقفه باعتبار أن التوجيه أمانة، وأعلن استعداده لدفع الثمن، وأضاف: “الثمن قد تكون الروح أو ولدي أو أشياء كثيرة، ولكن هذا لا يعني ان تسكت عن آرائك خوفاً من عامة الناس”، ونبه إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتلقى فيها تهديدات.
(8)
وبالنسبة للكودة فإن المقاطعة الإسرائيلية تمثل موقفاً وليست مبدأ، ولفت إلى أن المبادئ لا تتغير، وأبان أن المقاطعة أصبحت أمراً مورثاً، وزاد: “المقاطعة كلام آباء لم يعد مقنعاً”، ورأى أن العلاقة مع إسرائيل لا تعني التنازل عن المطالبة بحق الفلسطينيين، ووصف مواقف الدول التي طبعت مع إسرائيل بالقوية، لأنها تقود البواخر لكسر حصار غزة، وقال إن الإسلام لم يقتصر على الجهاد والقتال فقط في العلاقة بين المسلمين والأعداء، وذكر: “هناك متاركة، موادعة، مهادنة، معاهدة وقتال”، وتساءل: “لماذا لا نعرف سوى القتال أو الجهاد وكأنه لا بديل له؟”، ونوه إلى أن السودان يقيم علاقات مع دول تحتل جزءاً من أراضيه، ولفت إلى اختلاف احتلال المسجد الأقصى عن الأراضي العادية.
(9)
وقبل نحو ثلاث سنوات تقريبا، وتحديدا في أكتوبر من العام 2014م كشف البروفيسور حسن مكي القيادي بالحركة الإسلامية عن إجرائه اتصالات بالكيان الإسرائيلي، داعيا للتطبيع مع إسرائيل بهدف الوصول إلى مساومة تاريخية، مشيرا إلى أن حركة حماس تتجه الآن نحو التطبيع مع إسرائيل، لكنه عاد ونوه إلى أن التطبيع مع إسرائيل لا يعني نسيان القضية الفلسطينية والأرض، وأعلن استعداده للسفر إلى القدس، فيما رفض تلبية أية دعوة للسفر إلى إسرائيل، وكشف مكي في برنامج (حوار فوق العادة) الذي بثته قناة الشروق وقتها عن إجرائه حوارا فكريا وسياسيا مع مفكرين وسياسيين إسرائيليين تم ترتيبه من قبل مؤسسة ألمانية للحديث حول النزاعات، وأضاف قائلا: “دخلت معهم في حوارات مباشرة ودافعت فيها عن قضيتنا”.
(10)
ولكن من خلال الواقع الماثل، يبدو واضحا أن أغلبية السودانيين يرفضون التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني، وفي المقابل دعاة التطبيع بدأ صوتهم يعلو، وبدأوا يتزايدون وأصبح طرحهم يجد قبولا، الأمر الذي ربما يقود إلى ازدياد أعداد مناصري دعوة التطبيع، وخصوصا بعد دعوات التطبيع مع دولة إسرائيل التي أطلقها مبارك الفاضل المهدي القيادي بحزب الأمة ووزير الاستثمار ونائب رئيس مجلس الوزراء القومي، ومن قبله دعوة التطبيع التي أطلقها الشيخ يوسف الكودة رئيس حزب السوسط الإسلامي، والبروفيسور حسن مكي القيادي بالحركة الإسلامية، وربما تقود هذه الدعوات مستقبلا إلى اعتراف بعض من السودانيين بأرض الميعاد بعد ارتفاع وتيرة الدعوة للتطبيع مع إسرائيل التي بدأ يتسع نطاقها ويتمدد وسط أفراد الشعب السوداني.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي