السودان عاجل كتابات

منى عبد الفتاح : تحولات الحرب في دارفور (تحليل)

ما إن يُذكر اسم دارفور حتى يقفز إلى الذهن ما يعيشه أهل الإقليم المنكوب من ظروف أمنية واقتصادية وعدم استقرار سياسي، يزيدها سوءاً عدم التوافق على حل جذري للأزمة. وحوّل العنف الدائم دارفور من إقليم ينشد أهله السلام ضمن قطر موحد إلى نموذج لفشل الحكومات المتعاقبة في حل الأزمة وتجاذبه من قبل الحركات المسلحة المرتكزة في ليبيا، وقصور فرض السيطرة الأمنية على المنطقة التي كشفت أن الحركات التي تناضل من أجل الإقليم هي في حالة صراع حول السلطة السياسية مع الحكومة السابقة والحالية سواء بالمساهمة في إسقاطها أو استبدالها.

وقعت الأحداث الأخيرة في جبل مون، الكائن شمال مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور التي تقطنها قبائل المسيرية والزغاوة والمساليت، وبين هذه القبائل ما صنع الحداد، فلم تقف صراعاتها الأولى القائمة على أحقية كل منها بهذه المنطقة وممرات رعاتها في مواسم الأمطار، والصراع حول المياه منذ أربعينيات القرن الماضي، وزادت بعد نيل السودان استقلاله عام 1956. ثم بدأت المطالب بالانفصال منذ السبعينيات، ولم يسلم الإقليم الممتد من الحدود الليبية مروراً بتشاد وأفريقيا الوسطى منذ ذلك الوقت من قسوة الطبيعة التي تجسدت في حالات الجفاف والتصحر والمجاعة، وزادت من حدتها الحرب المشتعلة منذ عام 2003.

وبعد اكتشاف منجم للذهب بالقرب من الجبل، اشتدت طبيعة الصراع وتحولت من صراعات موسمية مرتبطة بأوقات المطر إلى أزمة مقيمة، فاقم منها توافد مجموعات إثنية من خارج المنطقة وانتعش نشاط اقتصادي مصاحب يروّج لتجارة المخدرات والتهريب، ما أقلق أهل المنطقة الذين طالبوا السلطات بإغلاق المنجم في 2019. ولم يستمر الإقفال طويلاً، إذ إنه بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، استولت إحدى القوات المنشقة من حركة العدل والمساواة الآتية من ليبيا على الجبل وبدأ النشاط مرة أخرى، ما أدى إلى أحداث الأسبوع الماضي من قتل وسرقات للمواشي.

بيئة معقدة

كثيراً ما يُشار إلى بيئة دارفور بأنها مجموعات ومنظومات إثنية معقدة ولا يوجد ما يوحدها على الأرض، لذلك أفرزت هذا الواقع. وعليه، فإن ما يحاول المجتمع الدولي فعله مع العجز الواضح لدى الحكومات المحلية هو إيجاد توازن نسبي تستطيع هذه المجموعات التعايش وفقاً له. ولكن واجهت هذه الفكرة حقيقة أخرى هي أن تعقيد بيئة دارفور ليس بسبب قرارات النظام السابق وحدها، كما كان يحدث في ظل الحكومة السابقة، وإنما بسبب قرارات وردود أفعال ناجمة عن التفاعلات والظروف المتغيرة وهي ما اتسمت بها الأزمة بعد قيام الثورة.

وبعقد مقارنة بسيطة بين تعاطي البعثة المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) التي انتهى تفويضها في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2020، مع الأزمة في ظل النظام السابق، وبين تفاعل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة (يونيتامس) التي بدأت مهمتها مطلع يناير (كانون الثاني) 2021، فقد توزعت مهمات الأخيرة بين المساعدة في الفترة الانتقالية وتحوّل البلاد إلى حكم ديمقراطي، ودعم حماية وتعزيز حقوق الإنسان والسلام، خصوصاً في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وأدى تشعّب مهماتها إلى إحداث فجوة كبيرة بين أهداف هذه القوات وما تحقق منها في الواقع.

وعلى الرغم من المآخذ التي أُثيرت في عمل البعثة الأولى، فإن انسحابها فاقم من التهديدات الأمنية، كما أن عدم حسم الاتهامات الموجهة إليها أضاع جزءاً كبيراً من حقيقة المشكلات الموجودة. فقد صرحت المتحدثة السابقة لقوات يوناميد عائشة البصري في أبريل (نيسان) 2014 بقضية عُرفت بـ”تستّر المنظمة والأمين العام للأمم المتحدة على الجرائم في دارفور” وهي جرائم اغتصاب (لم يتم التحقق منها)، إضافة إلى اختطاف 30 نازحاً في 24 مارس (آذار) 2013 وزعم قوات “يوناميد” أنها لاحقت المتمردين، ولكن لم يتم التوصل إليهم أو إعادة المختطفين. وجاء هذا التصريح الذي أعقبته باستقالتها، متضارباً مع تصريحات سلفها الناطق الرسمي الأسبق لبعثة “يوناميد” كرستوفر سيكمانيك الذي كان غالباً ما يصف الأوضاع في دارفور بأنها تحت السيطرة.

عنف متشعب

تحوّلت الديناميات السياسية التي انتهجتها الحركات المسلحة في دارفور من ديناميات مطلبية كانت تشكو التهميش السياسي والاقتصادي إلى عمليات فوضوية لا تجمع بينها قواسم مشتركة، وتحوّلت من توحدها ضد النظام السابق إلى انقسامها الحالي، كما تحوّل عداؤها مع بعضها إلى عداء مع أهل الإقليم. وهو انتقال من المظلومية والمعاناة إلى قيادة صراع غير متكافئ مع مواطنين عُزّل بفرض سلطة خارج سلطة الدولة عليهم للسيطرة على الموارد. غير أن الأخطر في هذا التحوّل هو سيادة العنف المُعبّر عنه في كل حالة، فقد كان قبل الثورة عنفاً إثنياً وصار الآن عنفاً متشعباً يأخذ من الخلافات الإثنية ما يغذي به الصراع الاقتصادي الحالي ويداري في الوقت ذاته عجز الحكومة. أما النقطة المتفق عليها، فهي أن الصراع سياسي بطبيعته حتى مع وجود الدوافع الأخرى. والحركتان الموجودتان الآن في الساحة حركة العدل والمساواة وحركة جيش تحرير السودان، من أبرز الحركات التي تمتلك طموحاً سياسياً لا محدوداً وتوجد في الصراعات مثلما توجد في مقدمة محادثات السلام وأوائل الموقعين عليها. كان بإمكان الحركتين أن تكونا الأقرب وجداناً لأهل الإقليم، والأكثر ثقة للسلطة في الخرطوم. ولكن لم يترك لهما تاريخهما السياسي موضعاً للثقة، ففي دارفور نشطتا في الكر والفر مثلما تماهيتا مع النظام السابق، وفي ذاكرة المركز تُعدّ محاولة غزو أم درمان عام 2008، علامة فارقةً أظهرتهما كساعيتين للحصول على السلطة أو الحفاظ عليها في ظل الحكومة الانتقالية، وأبانت في ما بعد أن تلك العمليات لم تكُن مستلهمة من الحميّة الإثنية وإنما من هدف سياسي واضح.

غياب الإدارة السياسية

في ظل غياب الإدارة السياسية والأمن، فإن هذا الصراع على الموارد يمكن أن يتفاقم إلى أعلى المستويات وهو التحدي الذي يواجه الحكومة الانتقالية ومن بعدها أي حكومة ديمقراطية مقبلة. وهناك مشكلتان تواجهان النظم السياسية المتعاقبة في السودان، التي تعاني منها السلطة الحالية أيضاً وهي، الأولى في ما إذا كان بالإمكان خلق نظام إداري سياسي جديد في دارفور، والثانية إذا ما كان النظام المجترح قادراً على التعامل مع مشكلات الإقليم المتجذرة. ولذلك، أسرعت الحكومة الانتقالية في تعيين مني أركو مناوي، رئيس “حركة جيش تحرير السودان” حاكماً عاماً لدارفور، تطبيقاً لاتفاقية جوبا، ونزولاً عند الاعتقاد بأنه قائد حركة مسلحة ولكونه جزءاً من الصراع في دارفور يمكنه أن يسهم في مواجهة مشكلات الإقليم وتحقيق نوع من الاستقرار وتحسين العلاقات بين الإثنيات المختلفة. ولكن الحقيقة أن مناوي كان مقنعاً فقط للحكومة، ولكن لدارفور حسابات أخرى، إذ سرعان ما أُرجع الحاكم العام إلى أصوله قبيلة الزغاوة التي تتحدث لغة أفريقية تُسمّى بـ”بيرياء” في مواجهة قبائل أخرى، منها المسيرية التي تتحدث العربية، إضافة إلى أن حركته انشقت عنها حركة جيش تحرير السودان، جناح عبد الواحد محمد نور الذي رفض التوقيع على اتفاقية جوبا، وبقي مع قواته في ليبيا، التي تظهر بين الحين والآخر في بعض المناوشات. وعلى إثر هذا الواقع، تلاشت الصورة الوردية التي رسمها مناوي للحكومة بأنه سيخلق واقعاً جديداً في دارفور، بمساعدة المجتمع الدولي، يسوده الاستقرار وإعادة توطين النازحين واللاجئين وإنهاء الحرب.

صدام اجتماعي

لعب النظام السابق دوراً كبيراً في الاستفادة من الصدام الاجتماعي بين هذه الإثنيات، إذ لم يقتصر على عدم إعارة التفاعلات بينها ومطالبها أي اهتمام، بل تعدّاه إلى أن يكون في المقدمة ولاة ومسؤولون في مناصب رفيعة مثل منصب وزير الدولة في وزارة الداخلية الذي تسلّمه أحمد هارون، مترئساً “لجنة أمن دارفور” التي كانت تتكون من مسؤولين في الجيش السوداني والشرطة والاستخبارات، واتُهمت بتجنيد وتسليح ميليشيات تابعة للنظام السابق. وفي طور التأسيس لنظام سياسي أفضل، يتجاوز مساوئ النظام السابق وعجزه عن حل أزمة دارفور، سعت الحكومة الانتقالية إلى التواصل مع أهالي الإقليم مباشرة في زيارات رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وعبر الحاكم العام، كانت نتيجتها إيجابية ولكنها مؤقتة، إذ عادت الصراعات مرة أخرى في أنحاء متفرقة من الإقليم، خصوصاً غرب دارفور، وذلك لثلاثة عوامل، الأول هو طبيعة دارفور المتمايزة، إذ يصعب الاستقرار في أجزاء واسعة منها تعاني الجفاف، ولكنها تكوّن ممرات للمراعي وطرق يسلكها الرعاة بماشيتهم وفي غالبيتها تكون حواكير تابعة لقبائل مناوئة، فتتعرّض الماشية للسرقة وأصحابها للقتل. ويتمثل الثاني في أن التواصل مع أهالي دارفور يتم عبر فوقية إدارية، فالسلطة في المركز هي التي تأتي زائرة للإقليم، ما رسّخ الانفصام بين مواطني الإقليم من جهة، ومن جهة أخرى الولاة وحاكم الإقليم الحالي مناوي الذي يقيم مع قواته بصورة شبه دائمة في الخرطوم ويدير الإقليم من هناك. أما الثالث، فهو القصور السياسي والأمني والاقتصادي، الذي أدى إلى العجز عن تطوير القوى الإنتاجية في الإقليم، على الرغم من توافر الموارد وعدم حسم سيطرة الجماعات المسلحة عليها بوضع اليد.

عن مصدر الخبر

جريدة اندبندنت البريطانية