السودان الان السودان عاجل

جريدة لندنية: السودان ومصر.. تشابه في المقدمات وتباين في الآليات والمآلات

الفروق المحورية بين السيناريو المصري وما يدور في السودان تكمن في بعض المحددات التي سوف تلعب دورا مهما في رسم الخارطة.

القاهرة – ربط مراقبون بين الخطاب الذي ألقاه الفريق أول عبدالفتاح البرهان القائد الأعلى للجيش السوداني الاثنين وبين الخطاب الذي ألقاه في الثالث من يوليو 2013 وزير الدفاع المصري المشير عبدالفتاح السيسي آنذاك؛ فالأول فرض حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء ووعد بالتحول الديمقراطي، وهو مسار قريب مما حدث في مصر، مع تباين في بعض التفاصيل التي تؤكد الخصوصية في كل دولة.

حوت تفاصيل التجربة المصرية فروقا نوعية عن نظيرتها في السودان؛ فالسيسي ألقى بيانه وسط نخبة مدنية ودينية وفرت له غطاء سياسيا وأضفت مصداقية عالية على الإجراءات التي اتخذها، وجرى اختيار رئيس المحكمة الدستورية مبكرا ليكون رئيسا مؤقتا للبلاد، في رسالة طمأنة لجموع المدنيين.

كواليس مختلفة
قرارات البرهان لصالح الإسلاميين وفلول نظام عمر البشير عكس النتيجة التي أقصت الإخوان بلا رجعة في القاهرة

أخذ البعض من السودانيين المقارنة بين البرهان والسيسي إلى النتيجة النهائية، وهي أن الأول يعد العدة ليكون رئيسا للبلاد من دون توقف عند الفواصل الزمنية والسياسية والأمنية، فقد كان نموذج السيسي رائدا في المنطقة ما سهل الطريق لنجاحه في الوصول إلى السلطة باستخدام أدوات وآليات بدت ديمقراطية وسط ممانعة من قبل الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي تلقى صدمة قاسية بسقوط نظام جماعة الإخوان في مصر.

وظف السيسي سلاح المظاهرات كي ينفي صفة الانقلاب العسكري، وخرج الملايين من المصريين في ثورة شعبية لتنحية الجماعة عن السلطة، وتوافرت بنية سياسية مهمة في الشارع دعمها الجيش انصبت مطالبها الرئيسية على عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، ما جعل البيئة الداخلية مهيأة للقبول بالنتائج التالية.

يخوض البرهان معركته السياسية ضد الجماعة المدنية ومعه حركات مسلحة وأحزاب كانت أعلنت رفضها لما وصلت إلى الحكومة برئاسة عبدالله حمدوك، وخرجت في تظاهرات ضدها تطالب بعزلها، لكن التظاهرات المضادة والمتزامنة معها قلصت المساحة السياسية التي أرادتها الأولى، وكاد الأمر يصل إلى صدام يصعب تطويقه.

تدخل البرهان في أجواء بدت غير مهيأة، حيث حقق الجيش نصف انتصار ونصف هزيمة، إذ انتشر مؤيدوه في الشوارع من دون توفير الدعم الكافي لتغيير الحكومة، وهو ما أدى إلى إصدار قرارات فوقية تنقصها المقومات السياسية الكاملة التي تضمن تطبيقها بسهولة، مصحوبة باعتقالات طالت الكثير من القيادات المدنية.

تبدو الجهات التي رفضت عزل الإخوان في مصر متشابهة مع حل حكومة حمدوك في السودان، من حيث شعاراتها السياسية؛ ففي الأولى تعاملت قوى غربية مع الثورة الشعبية التي خرجت في الثلاثين من يونيو 2013 على أنها “مصطنعة” وقف خلفها الجيش، في محاولة للتشكيك في الثورة وعدم منح الثقة للجيش.

خالج هذه القوى الشعور نفسه في السودان، وتعامل كثيرون مع التظاهرات التي انطلقت السبت الماضي وما تلاها من اعتصامات أمام القصر الجمهوري على أنها ركيزة يستند عليها البرهان في قراراته المصيرية.

لم تفلح واشنطن في الضغط على الجيش المصري لمنع عزل الإخوان وأخفقت مبادراتها في منع الجيش السوداني من عزل حمدوك كرمز للتحول الديمقراطي، والذي صاحب الخطاب الأميركي منذ اندلاع الأزمة بين المكونين العسكري والمدني.

المثير أن قرارات البرهان جاءت في وقت يزور فيه المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان الخرطوم، وبعد أن أجرى حوارات مكثفة مع الطبقتين العسكرية والمدنية، وعقب تصريحات بدا فيها متفائلا أكثر من اللازم بشأن حل الأزمة.

قصور سياسي
يشير التزامن إلى أحد احتمالين، الأول: أن البرهان كان مستعدا لتحمل التكلفة الباهظة التي يمكن أن يتكبدها بسبب غضب الولايات المتحدة من السودان الذي خرج للتو من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب وسوف يبدأ سلاح المعونات يتدفق عليه، والثاني: أن البرهان تفاهم مع فيلتمان على حزمة الخطوات التي اتخذها حيال القوى المدنية، وحصل منه على ضمانات سياسية لدعمه، مع عدم استبعاد احتمال ثالث أقرب إلى الفخ السياسي لتوريطه وتسهيل مهمة إخضاعه لواشنطن.

في كل الحالات سوف تتأثر صورة الولايات المتحدة كما تأثرت في التجربة المصرية، فإذا كانت أخفقت في قراءة المشهد فذلك يعني أن هناك قصورا سياسيا في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وإذا كانت تواطأت مع الجيش وأخذت علما بخطواته اللاحقة فهذا يقلل مصداقية الإدارة الأميركية في مجال دعم القوى المدنية، وإذا كانت تريد توريط الجيش وتفخيخه فهذا يقود إلى المزيد من أزمات السودان.

وكما تخطت واشنطن مرارات التجربة المصرية يمكنها أن تتخطاها في حالة السودان، بحكم الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها هذا البلد في منطقة القرن الأفريقي، وبسبب احتفاظه بقنوات مفتوحة مع كل من روسيا والصين حتى الآن.

أضف إلى ذلك أن تجاوب المؤسسة العسكرية مع بعض القضايا الحيوية التي تهم واشنطن، ومنها التطبيع مع إسرائيل، يوحي بأنها قادرة على التفاهم معها في قضايا لا تقل أهمية، كما عادت وتعاونت مع النظام المصري تحت قيادة الرئيس السيسي، خاصة أن السودان يختلف عن مصر في قدرته على مقاومة الضغوط وأزماته أشد تعقيدا، وربما لا يتحمل تكشير الولايات المتحدة عن أنيابها تجاهه.

تكمن الفروق المحورية بين السيناريو المصري وما يدور في السودان في بعض المحددات التي سوف تلعب دورا مهما في رسم الخارطة التي يمكن أن يصل بها الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى بر الأمان وغايته القفز على السلطة.

تم عزل الإخوان في مصر لصالح القوى المناهضة لهم من عسكريين وشريحة واسعة من المدنيين وقوى إقليمية على عداء شديد مع تيار الإسلام السياسي، وهو ما وفر دعما معنويا وماديا لتحركات الجيش، وسهل طريقه في مواجهة التحديات الأمنية ومكافحة العنف الذي تبنته جماعة الإخوان الإرهابية.

في حين أن قرارات البرهان تصب في صالح الحركة الإسلامية، وتمنحها وفلول نظام عمر البشير فرصة كبيرة للعودة إلى الحياة السياسية، عكس النتيجة التي أقصت الإخوان بلا رجعة في القاهرة. لذلك فإن ما يحدث حاليا قد يؤثر سلبا على المصالح المصرية إذا أكدت التطورات أن هناك تفاهما بين البرهان والإخوان في السودان.

تتفاوت التقديرات في مصر حول هذه المسألة، لكن هناك مخاوف من وجود علاقة بين الجانبين، تتعزز من خلال ما يمثله استمرار التحالف بين القاهرة والخرطوم من انعكاسات إقليمية تمنح النظام المصري قدرة على مواجهة التحديات على أكثر من اتجاه استراتيجي، وتمثل التحولات في السودان إزعاجا لمصر وتفرض عليها إعادة توازناتها في المنطقة، لأن ما جرى قد يعيد شبح سياسات البشير مرة أخرى بكل ما اكتنفها من تقلبات في التوجهات الخارجية.

لذلك فالتشابه في المقدمات بين مصر والسودان لا يكفي ليؤدي إلى مآلات واحدة، والتباين الظاهر بين الحالتين لا يعني أن عبدالفتاح في السودان هو عبدالفتاح في مصر، وإذا أضيفت القوة التي تتمتع بها الأحزاب السودانية والحيوية الطاغية على المجتمع المدني والعافية التي لا تزال تحتفظ بها الحركة الإسلامية يتأكد عمق الخلاف في الحصيلة النهائية بين الحالتين.

عن مصدر الخبر

جريدة العرب اللندنية