السودان الان السودان عاجل

جريدة بريطانية :ما اتجاهات الأزمة السودانية وحلولها بعد مواكب أكتوبر؟

تحركات محلية ودولية لإنهاء المشكلة وتمسك بالمدنية والتحول الديمقراطي
ينتظر السودانيون بجميع أطيافهم ما سيُفضي إليه المشهد السياسي في ضوء الأزمة القائمة بين المكونين العسكري والمدني في مجلس السيادة من جهة، ومكونات قوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، وأطراف أخرى من المدنيين وحركات الكفاح المسلح، من جهة أخرى، وذلك على في أعقاب ما شهدته الساحة السودانية هذه الأيام من تحركات محلية ودولية لإنهاء هذه الأزمة.

لكن، ما اتجاهات هذه الأزمة، ومؤشرات حلها بعد مواكب الخميس 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، التي شهدت خروج آلاف السودانين إلى شوارع العاصمة المثلثة، ومدن البلاد الأخرى، للمطالبة بدعم السلطة المدنية والتحول الديمقراطي، ورفض حكم العسكر؟

صوت الشارع

في هذا الشأن، يوضح الأمين العام في حزب الأمة القومي السوداني، الواثق البرير، “في الحقيقة إن الجماهير السودانية قررت بشكل قاطع من خلال المواكب التي خرجت بالآلاف في شوارع الخرطوم ومدن البلاد المختلفة في ذكرى ثورة 21 أكتوبر، تمسكها بالمدنية والتحول الديمقراطي، ورفضها حكم العسكر، بالتالي فإن المنطق يقول إن على الجميع من عسكريين ومدنيين الاستجابة لصوت الشارع، ويجب التعامل مع هذه المواقف بالشكل المطلوب، ولا داعي للتراخي في تنفيذ قرارات الشعب، والخلاصة التي يجب أن يقف عندها كل حصيف ومتابع للمشهد السوداني، أن مستقبل بلادنا بخير”.

يتابع، “على ضوء رؤية الشارع، فإن قوى الحرية والتغيير بكل مكوناتها، ومنها حزب الأمة القومي، منفتحة وجاهزة للدخول في أي حوار مع كل الأطراف السودانية الوطنية المساندة للثورة، بشرط أن يكون حواراً شفافاً يناقش أجندة حقيقية تشمل كل الملفات والقضايا المصيرية والواقعية، فالمشكلة ليست في حل الحكومة أو توسيع قاعدة المشاركة فيها، فهذا مطلب مشروع، وليس من الغريب أو العيب أن تحل الحكومة مرة ومرتين وثلاثاً إذا استدعى الأمر والمصلحة، لكن المعضلة ضمان وتأمين مسألة الانتقال والتحول الديمقراطي، وتنفيذ الترتيبات الأمنية، وإعادة الشركات العسكرية لأيلولة وزارة المالية، وتكوين جيش قومي واحد، وتحقيق عملية السلام الشامل، وغيرها من القضايا الحقيقية التي يمكن أن تعطل الانتقال، وصولاً للانتخابات العامة”.

مبادرات ومساعٍ

وحول اتجاهات حلول هذه الأزمة، يجيب البرير، “هناك مبادرات ومساعٍ يقوم بها رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بالجلوس مع أطراف الأزمة، لكن الواضح أن مجموعة اعتصام القصر الجمهوري، ومعهم المكون العسكري متخندقون عند موقفهم، وغير منفتحين للحوار، عكس الطرف الداعم لهذه الحكومة، فهو جاهز للتفاوض ولديه خريطة طريق واضحة المعالم لهذه الأزمة من خلال حلول عملية وواقعية، فالخروج من هذا النفق يحتاج إلى موقف صادق وشفاف، وآن الأوان للانطلاق إلى الأمام، لكن في تقييمي الشخصي فإن الطرف الآخر يحاول الحفاظ على بعض المواقف، وفي النهاية سيجد أنه لا خيار له غير الجلوس في الحوار، لأن الشعب السوداني قال كلمته، وأن أي رد مع حماسة تلك المواكب الجماهيرية سيضعه في موقف لا يحسد عليه، فلن يستطيع أي مغامر تغيير المواقف إلا بتوجيه ورغبة الشارع”.

وبشأن تدخلات المجتمع الدولي لايجاد مخرج للأزمة السودانية، يقول الأمين العام لحزب الأمة القومي، “نعم، المجتمع الدولي قلق من الأحداث الجارية في البلاد، فهناك وفد أميركي موجود ولديه أفكار ومبادرات لتقريب وجهات النظر بين الأفرقاء السودانيين، وهناك أيضاً مبادرات على الصعيد الإقليمي والأوروبي، وأعتقد أن جميع الأطراف الدولية مهمة وتحمل رؤية للحفاظ على الانتقال، ونحن في قوى الحرية والتغيير التقينا عدداً منها، وعكسنا رؤيتنا بكل وضوح وشفافية. وفي رأيي فإن المكون المدني مرن جداً وقادر على فهم الأخطار المحدقة بالبلاد، ووضع كل ترتيبات الحفاظ على أرواح ومكتسبات شعبه، فضلاً عن أنه مهتم جداً بأن تحل هذه الأزمة بشكل ودي، لكن ضروري جداً أن تكون الحلول جذرية حتى لا تظهر مثل هذه المشكلات مرة أخرى على السطح”.

انعدام الإرادة

في السياق ذاته، يوضح أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية، الحاج حمد، “في نظري إن المشهد السياسي المحلي غريب جداً، فالشيء الملاحظ هو انعدام إرادة التنفيذ وتوقفها تماماً، فمجلس السيادة بشقيه المدني والعسكري كان قبل هذه الأزمة يقوم بتعطيل كثير من القوانين المهمة التي تساعد على الانتقال بشكل سلس، وهذا الوضع يتساوى فيه المدنيون والعسكريون على حد سواء، فالمكونان ضلا الطريق، وكذلك الحال بالنسبة إلى مجموعة اعتصام القصر، فمن المضحك جداً أن يكون هناك وزير في الحكومة كوزير المالية يتخذ ناصية المعارضة، ويتحدث علناً عن فشل السياسات التي تنتهجها حكومته، دون أن يتخذ رئيس الوزراء ضده أي قرار أو إجراء، فلا بد أن يكون هناك سبب جوهري حول لماذا كل قوى الحكم التي أفرزتها شراكة المدنيين والعسكريين، وما تبعها من اتفاقية السلام، في حالة من الثبات العاجل، والاختلاف”.

ويرى حمد، أنه “في الواقع لا يوجد توازن قوى، فالشارع السوداني يتكلم عن تطلعاته وأحلامه لبلوغ مدنية الدولة، لكنه لم يصل إلى مرحلة فرز قيادة بديلة تحقق طموحاته العريضة، ومن المؤكد أن يصل إلى رؤية في القريب تمكنه من فرز قيادة تنفيذية قوية تحمل كل مواصفات البناء الذي يطلبه، وكذلك الأمر بالنسة للمكون العسكري، إذ طالب الشارع الجيش بتغيير قيادته الحالية من خلال الشعارات التي رددها بصوت عالٍ، ومن دون تحفظ”.

ويعتقد أستاذ الاقتصاد السياسي، أن وجود المبعوثين الدوليين في الخرطوم هذه الأيام أمر ضروري، لأن المجتمع الدولي، بخاصة الأميركيين، أصبح شريكاً وحليفاً مهماً، من ناحية أن له مصالح يريد الحفاظ عليها، بالتالي لا بد أن تتدخل العلاقات الدولية لإعادة الأداء التنفيذي من أجل تعزيز الحكم المدني من خلال دعم مسار التحول الديمقراطي وصولاً لإقامة انتخابات عامة في البلاد.

اتهامات باطلة

في المقابل، يشير القيادي في التحالف السوداني المنشق عن قوى الحرية والتغيير، والداعم لاعتصام القصر الجمهوري، حذيفة محيي الدين البلول، إلى أن ما يطلق من اتهامات بأن اعتصام القصر مدعوم من المكون العسكري ونظام البشير، غير صحيح، وهو اتهام مردود عليه، كونهم ظلوا يمولون الحرب ضد النظام السابق في إقليم دارفور لفترة 17 عاماً، فضلاً عن أن العسكريين هم حلفاء وشركاء قوى الحرية والتغيير المختطفة الحكم.

ويؤكد أنهم يمثلون طرفاً ثالثاً مع قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري، ولا يوجد بينهم وبين العسكريين مصالح أو أجندة خاصة، بل هذه دعاوى باطلة لتضليل الشارع الذي هو واعٍ بكل الحقائق على أرض الواقع.

ويرى البلول أن مجموعة الاعتصام ما زالت عند موقفها بالمطالبة بحل الحكومة الحالية وتشكيلها على أسس جديدة، على أن تتوسع لتشمل كل القوى المؤيدة للتغيير والثورة ما عدا نظام البشير المحلول، إضافة إلى إكمال مؤسسات الانتقال مثل المجلس التشريعي، والمحكمة الدستورية، والنيابة العامة، والهيئة القضائية، فضلاً عن إعادة ترتيب الحاضنة السياسية لاستيعاب كل الأطراف المؤمنة بالتغيير، بما فيها الأطراف السياسية الموقعة على اتفاقية السلام في جوبا أكتوبر 2020، منوهاً بأنه إذا لم تحل الحكومة فلن ينعدل الحال، ولن تحل الأزمة، لأنها حكومة ضعيفة، وتمثل مجموعات محددة من القوى السياسية في البلاد.

ويضيف القيادي في التحالف السوداني، “نحن لم نرفض التواصل والحوار مع الطرف المعني بالأزمة ممثلاً في قوى الحرية والتغيير، لكننا نريد أن يكون هناك توافق مع كل القوى الثورية والحية في الشارع السوداني ما عدا حزب المؤتمر الوطني، فنحن لسنا إقصائيين، بل ضد احتكار السلطة، وندعو إلى مراجعة كل التعيينات التي تمت في أجهزة الحكم بعد سقوط نظام البشير، ونعتقد أنه ما زالت هناك الفرصة لإحداث التوافق”.

ويشدد على أنهم مع الانتقال والحكم المدني، و”لا نقبل بأي محاولة للانقلاب على السلطة عسكرياً، لأننا تضررنا كثيراً من الحكم العسكري، لكن في رأي إن ما يحدث حالياً سيقود للانقلاب، وسيخسر الجميع، فالكرة الآن في ملعب حمدوك، فبإمكانه تجنب البلاد المخاطر بتكوين حكومة كفاءات تقود السودان لانتخابات عامة حرة ونزيهة”.

أسباب الأزمة

ويعيش السودان منذ أكثر من شهر أزمة سياسية حادة إثر خلافات بين الشقين المدني والعسكري في الحكومة الانتقالية، إضافة إلى خلافات فيما بين المكون المدني للحكومة، حيث انفصلت مجموعة عن قوى الحرية والتغيير، ووقعت ميثاقاً سمّته أيضاً ميثاق التوافق الوطني.

وعلى أثر تلك الخلافات السياسية انتظمت، منذ السبت الماضي، مجموعة منشقة من قوى الحرية والتغيير تضم حركتي العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم الذي يتولى حالياً وزارة المالية، وحركة تحرير السودان جناح مني أركو مناوي، الحاكم الحالي لإقليم دارفور، إضافة إلى عناصر وتنظيمات وأحزاب كانت موالية لنظام المؤتمر الوطني الذي أطاحته ثورة شعبية في أبريل (نيسان) 2019، اعتصاماً أمام القصر الجمهوري في الخرطوم مطالبة بتسليم السلطة للقوات المسلحة، وحل حكومة حمدوك، على أن يتم تشكيل حكومة جديدة من الكفاءات السودانية.

عن مصدر الخبر

جريدة اندبندنت البريطانية