كتابات

السر محمد احمد يكتب الاسلامويين و العبودية

مصدر الخبر / صحيفة التحرير

 

عندما كانت العبودية شائعة في امريكا كونت هاريت توبمان مجموعة سرية لانقاذ العبيد و تهريبهم الى الشمال حيث الحرية. استطاعت بمجهودها الفردي تحرير اكثر من ٧٠٠ شخص.
فيما بعد سالوها، ما هي اصعب خطوة واجهتك؟ قالت اقناع الشخص بانه ليس عبدا و انه سيكون افضل بعد نيل حريته. https://www.history.com/news/harriet-tubman-facts-daring-raid

في موريتانيا ما زالت العبودية تمارس و لها ارتباط وثيق بالتركيبة الاجتماعية للبلاد. الحراتين هم المجموعة الاجتماعية التي مورست فيها العبودية. و تحت ضغط النشطاء منهم و المجتمع الدولي صدرت مجموعة من القوانين و اخرها في مطلع عام 2015 حين أصدرت الدولة الموريتانية قانونا يصنف الجرائم المرتبطة بالاسترقاق كجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

الغريب في الامر ان بعض هؤلاء الحراتين رفضوا الانعتاق من سلطة اسيادهم، و فضلوا البقاء على العبودية بحجة ان وضعهم الحالي تحت رعاية اسيادهم افضل، و انهم لا يعرفون غيره، بل بعضهم يشكر هؤلاء الاسياد لا سيما في الريف لما يوفرونه لهم من حياة مستقرة و ان الخروج منها يعني الخروج الى المجهول.

لا اريد ان اقارن بهاتين الحالتين السابقتين لما هو عليه الحال في السودان الان و انقسام الوضع الى معسكرين لا تخطئهما العين، و هما الخيار ما بين حكم يدعمه العسكر، و خيار الحكم المدني. و لكنني سارجع بالجميع الى ايام حكم البشير الاخيرة و ما تلاها من الفترة الاولى بعد سقوطه.

خرج الثوار من يومهم الاول و ليس لهم هدف الا اسقاط حكم الانقاذ لما مارسه في المجتمع السوداني من تقتيل و اضطهاد. في المقابل استنفرت الانقاذ آلتها القمعية و لم تظهر عطفا في مواجهة هؤلاء الفتية.

خاتمة المطاف ان النصرة كانت للثوار و سقطت الانقاذ الى غير رجعة. الى هنا كان الامر طبيعيًا بالرغم من صعوبة الطريق و سقوط اعداد مهولة من الشهداء. الغير طبيعي هو بداية ظهور أفراد من مخابئهم الامنة و الادعاء بانهم كانوا جزءا اصيلا من هذه الثورة. من هؤلاء ظهرت فصائل كثيرة و افراد من الحركة الاسلاموية، فرحوا ايما فرح بازاحة البشير. و لا نقصد بهؤلاء بعض ابناء الحركة الذين كانوا جزءا اصيلا من شباب الثورة.

و بدات الحكاوي تنتشر في الأيام الاولى من انتصار ثورة ديسمبر بان البشير فعلا خرج عن خط الحركة و زاد تجبرا، و انهم اعضاء الحركة الاسلاموية منذ المفاصلة كانوا يريدون التخلص منه و لكنهم لم يستطيعوا، و ان البعض ما كان يريد له اعادة الترشح في كل مرة الا انه استطاع ان يخلق من حوله دائرة تزين له سوء عمله و ما كان يمكن اختراقها ابدا. بغض النظر عن صحة هذه الادعاءات فان الحقيقة الثابتة هو ان الحركة انقسمت على نفسها الى عدة اقسام،

بل و في داخل المؤتمر الوطني نفسه توجد هناك عدة اجنحة متنافسة. و لا شك ان الكثير منهم تنفس الصعداء بسقوط البشير.
لكن في هذه الايام الاخيرة بدا يلوح في الافق نشاطا محموما من طرف الاسلامويين، هذا النشاط لم يركز جهده فقط في انتقاد الشق المدني من الحكومة او لجنة ازالة التمكين، و انما تعدى ذلك الى مباركة اي خطوة يتخذها الشق العسكري لوأد مكتسبات الثورة، زد على ذلك محاولة تفويض العسكر لاستلام السلطة، و لم يقف الامر الى هنا فحسب، و انما التنصيب الفعلي للعسكر و الاعتصام امام مجلسهم لحمايتهم من اي مكروه ياتيهم من اي ثائر.

لم يستفد الكيزان و مناصريهم من درس النميري ثم البشير من بعده، و الان يريدون اعتلاء صهوة جواد اخر ربما سيكون الاخطر على الإطلاق. و حالهم في ذلك يشبه العبد الذي لا يرى فائدة في الحياة ابدا الا في ظل نظام العبودية المعروف لديهم.

هاريت توبمان عانت ما عانت لتساهم في تحرير الانسان الاسود في امريكا. و قد شكك الكثير من من حاولت انقاذهم في مقدراتها في حينها، و لكن نتيجة جهودها هو ما نراه اليوم من مشاركة الانسان الاسود في صنع القرار في امريكا.

من المعروف انه عندما تكره نظام حكم ما و تريد استبداله فانك ستسعى لاخذ الامور بيدك من اجل التغيير. و كما نلاحظ ان اقتلاع حكم العسكر يحتاج الى تضحيات جسام و تكلفة عالية في الارواح، في حين ان اقتلاع الحكم المدني لن يحتاج منك غير صوتك في صندوق الانتخابات.

هل نحتاج الى عقل كبير لنعرف الخيار الأفضل؟

 

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة التحرير