السودان الان السودان عاجل

جريدة بريطانية: هل تعود الرقابة الدولية على السودان؟

يكفي فقط أن يحصل القرار على عدد الأصوات المطلوبة في مجلس الأمن وموافقة الدول الخمس دائمة العضوية

قدّم السودان تحفظاً على تقرير قدّمه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى مجلس الأمن الدولي في 31 يوليو (تموز) الماضي، يتعلق بتهديدات ضد المدنيين في دارفور، وأن سحب البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بدارفور (يوناميد) في ديسمبر (كانون الأول) 2020، وتفويض البعثة السياسية الخاصة من الأمم المتحدة تحت البند السادس (يونيتامس) في يناير (كانون الثاني) الماضي، جاء مصحوباً بعنف متكرر في دارفور، بما فيها الاعتداءات على مقار وممتلكات بعثة “يوناميد” بدارفور. وذكر فيه أن “فريق الأمم المتحدة لم يتمكن من تلقي معلومات موثقة أو وثائق أو إحصاءات تتعلق بجمع السلاح على المستوى الاتحادي أو الولائي، التي تتراوح في دارفور وحدها بين 700 ألف و1.7 مليون قطعة سلاح”.

موقف مموّه

يحيط ببعثات الأمم المتحدة مجموعة من القواعد المنظمة تستند إلى وجود قوانين ومعاهدات ومواثيق عامة تفوق الحقوق الخاصة بالدول، وتحمي بعض حقوق الفرد على أساس ما يطلق عليه (الشرعية الأخلاقية) لما تفرضه القوانين والمعاهدات في حالات التدخل. وفي حالة السودان، وجدت نظرية التدخل الإنساني طريقها منذ النظام السابق، فقد فرض مجلس الأمن تحت الفصل السابع القرار 1769 في 31 يوليو 2007، لحماية المدنيين في دارفور وتيسير وصول المساعدات الإنسانية إليهم. وطالبت الحكومة وقتها بأن تكون البعثة هجيناً بين قوات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، فكانت “يوناميد”، ووصل تعداد قوات البعثة في أوجها إلى 26 ألف جندي، وفاقت ميزانيتها السنوية مليار دولار. كما كانت هناك العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على البلاد منذ 1997، وشملت تجميد أموال وحظر سفر بعض منسوبي النظام السابق، ثم تبعها حظر على واردات السلاح للسودان. وعلى الرغم من أن غالب القوات أفريقية، فقد ظلت الحكومة السودانية تعتبرها طعناً في سيادة البلاد، لتفويضها تحت الفصل السابع. ودون الرضوخ لاستياء النظام السابق من وجود “يوناميد”، قررت الأمم المتحدة في يونيو 2017 أن إقليم دارفور انتقل من مرحلة الحرب إلى إعادة البناء والإعمار والتنمية، ووفقاً لذلك صدر قرار مجلس الأمن رقم 2363 القاضي بسحب نحو نصف القوات خلال 12 شهراً، على أن يسحب النصف الآخر تدريجياً إلى أن يكتمل خروج البعثة نهائياً في 29 يونيو 2020.

لم يكن موقف الأمم المتحدة المتمثل في تقرير أنطونيو غوتيريش بهذا الخصوص مفاجئاً، ولكنه كان مموّهاً، فقد اختلط بتشجيع المجتمع الدولي للحكومة الانتقالية، ولم يكن هناك أي موضع للإدانة، فقد ظل هناك استياء واضح منذ بداية انسحاب “يوناميد” وعقب مجيء الانتفاضة في ديسمبر 2018، وسقوط البشير في أبريل (نيسان) 2019، وتردي الوضع الأمني في السودان عموماً، ودارفور خصوصاً، بأن المواقع التي أخلتها “يوناميد” آلت للحركات المسلحة.

خلاف أساسي

في الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن والدفاع السوداني حول قضايا السلم والأمن، أعلنت الحكومة الانتقالية عن تحفظاتها، منتقدةً تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بقرار مجلس الأمن الدولي، ربما يظهر ذلك علناً للمرة الثانية، فقد كانت المرة الأولى إبان سحب البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور (يوناميد)، وتفويض البعثة السياسية الخاصة من الأمم المتحدة تحت البند السادس (يونيتامس) وفقاً لنص القرار 2524، اعتباراً من يناير الماضي لمدة عام قابل للتجديد، على ألا يتجاوز تفويضها نهاية المرحلة الانتقالية في السودان. وأنشئت كبعثة سياسية خاصة تساعد السودان، بطلب من رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، لتعمل مع الحكومة والسلطة الانتقالية والمجتمع المدني والمؤسسات الحزبية، ووكالات ومؤسسات الأمم المتحدة الموجودة في السودان، والتي نشب خلاف أساسي حولها تم تداركه. أوجزت الحكومة تحفظاتها هذه المرة في “المؤشرات المرجعية المتعلقة بالحوكمة السياسية والاقتصادية والترتيبات الأمنية وخطة العمل لحماية المدنيين إلى جانب تحقيق العدالة الانتقالية”. وأضافت إليه تأكيد رفضها الوصاية على السودان في قضاياه الوطنية بحجة أن السلام أصبح واقعاً معاشاً، وهذا ما يدحضه الواقع على الأرض في دارفور نظراً للعنف الإثني والقبلي، سواء بالاعتداء على هذه البعثات أو بالهجمات المتبادلة بين القبائل.

هذا الموقف في مجمله يعكس التناقض بين الموقفين المدني والعسكري، وتخبط الحكومة الانتقالية وعدم ضبط التصريحات من جهة واحدة تمثل الحكومة بشقيها. وعلى الرغم من الإنجاز الذي توصلت إليه الحكومة بتحول البلاد من الفصل السابع إلى السادس، ليكون على كل أقاليم السودان التي تعاني النزاعات، فإن سرعة الأحداث وتواصلها في دارفور جعل البعثة تأخذ صبغة البعثة القديمة الخاصة بالنزاع في دارفور وحدها. وقد كان يظن بداية أن بعثة السلام (يونيتامس) ستتوافق مع الحكومة الانتقالية على أساس اتفاقات السلام، وبما أن الاتفاقات نفسها لم يتم الالتزام بها، فإن البعثة تجد نفسها في حل منه.

ما بعد النزاع

يتعامل المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة مع واقع السودان الحالي على اعتبار دخوله في مرحلة ما بعد النزاع، وعلى الرغم من وجود بعثات السلام في السودان، غير أن هناك فجوة معرفية بين الواقع السياسي وما يحدث على الأرض، وبين ما تتمناه هذه البعثات التي تركز على مساعدة السودان لبناء السلام، ولكن الهدف الذي جاءت من أجله، وهو منع النزاع، لا يبدو أنه قريب من التحقق. ولعل القصور في هذه الفجوة بين أهداف بعثات السلام وواقع النزاع مسؤولة عنه الحكومة الانتقالية بدرجة أساسية. فدور بعثات السلام أن تكون داعمة فقط للجهود الوطنية، وفي حال تردد هذه الجهود وتسييسها، فإنها ستفقد البعثة أهدافها. كما أنها لم تستطع ضمان الأجواء التي يمكن أن تسهم فيه هذه البعثات في بناء السلام، وذلك لعوامل عدة، وهي أولاً عدم التزام أطراف النزاع بما يتم الاتفاق عليه. وثانياً، عدم وجود فضاء سياسي صالح للعمل فيه وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار. ثالثاً، على الرغم من الشراكة بين بعثات السلام والاتحاد الأفريقي، فإن الأخير لم يستطع الاستمرار في الشراكة والتعاون بالوتيرة نفسها التي ابتدأ بها، ما أفقد السودان توفير وتعزيز المقدرات التي كانت الأمم المتحدة على وشك توفيرها. رابعاً، الهوة الواسعة بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم، وخصوصاً إقليم دارفور، فعلى الرغم من تعيين “أركو” مني مناوي حاكماً عاماً على دارفور، فإنه لم ينجح في الخروج من جلباب حركته المسلحة، ويظهر في خطابه كأنه ليس جزءاً من الحكومة، كما أن مطالباته الحكومة بأموال وسلطات للإقليم تفوق استحقاقات الولايات الأخرى بكثير، تظهر من خلالها نبرة التهديد والتمرد، وهو ما أدى إلى ما جاء به تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، الذي رأى أن أصحاب المصلحة الوطنيين ليسوا أكثر حرصاً مما جاءت من أجله هذه البعثات.

العودة للفصل السابع

وتتجلى طبيعة عمل “يونيتامس” بأن تستعرض البعثة للأمم المتحدة تقاريرها، ويصدر مجلس الأمن تعليقات عامة وتوصياته وقراراته بعد الإجماع من الدول دائمة العضوية فيه. وما حدث في هذا الظرف وجعل تقرير الأمين العام للأمم المتحدة يبدو غير مقبول بالنسبة للحكومة الانتقالية سببان، الأول هو أن الحكومة الانتقالية طوال الفترة الماضية لم تقدم تفسيرات رسمية لما يحدث في دارفور، أو تقوم بمهمة تحليل التقرير نتيجة للمتابعة. كما أن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتعديل التشريعات والسياسات العامة، تثبت امتثالها لما تم التوافق حوله بالعمل على تيسيير مهمة البعثة لتحقيق أهدافها حول المحاور الأربعة المذكورة. أما السبب الثاني فهو تعوّد السودان خلال عهد النظام السابق، وربما ظل هذا إرثاً سياسياً، في التعاطي مع المنظمات الدولية، وهو نتيجة لآليات الإدانة التي تأتي بتوجيه اللوم كالإدانة اللفظية في المحافل الدولية، وهذه تزخر بها قرارات وتقارير عديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية تجاه السودان وغيره، غير أنه في حالة السودان تطورت قرارات الأمم المتحدة إلى سلطة رقابة وإشراف دوليين على أرض الواقع، وفشل النظام السابق، بل عارض الالتزام بالقواعد والمعايير الدولية ذات الصلة، ولكنه ظل في الحكم لمدة 30 عاماً متحدياً لها.

ربما لا يجدي الإنكار بأن البلد يعاني فعلاً عدم الاستقرار، وربما أيضاً تم على عجل إنشاء بعثة تعنى مع الحكومة بمهام مثل الإحصاء السكاني لمواطنين غير مستقرين، وتدريب الخبراء في مؤسسات الدولة في لجان الانتخابات، وكتابة قانون الانتخابات قبل إجازة كافة القوانين وتكوين المجلس التشريعي. هذا قد يهيئ الظروف لنقل مهمة “يونيتامس” من الفصل السادس إلى السابع مرةً أخرى. وإذا تفاقمت هذه الظروف مع انتقاد الحكومة لقرارات مجلس الأمن بهذا الخصوص، بدلاً من حل المشكلة داخلياً، فإنه لن ينفع هذه المرة استجداء حمدوك، يكفي فقط أن يحصل القرار على عدد الأصوات المطلوبة في مجلس الأمن، وموافقة الدول الخمس دائمة العضوية.

 

عن مصدر الخبر

جريدة اندبندنت البريطانية