السودان الان

“واقع مأزوم” غياب الاستقرار السياسي واحتدام النزاعات والحروب وتفشي البطالة ألقت بظلالها السالبة على أوضاع الشباب.. فبأي يوم يحتفلون؟

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – الزين عثمان
منذ أغسطس في العام 1988 والعالم يحتفل في الثاني عشر من أغسطس من كل عام باليوم العالمي للشباب، وجاء شعار هذا العام (سلام من صنع الشباب)، وشباب السودان إذ يحتفلون بهذا اليوم يقول لسان حالهم بأي حال عدت يا يوم الشباب الذي جاءت فكرة الاحتفال به خطوة من المجتمع الدولي لإدماج الأجيال الجديدة في مجتمعاتها للمشاركة في صناعة القرار.
يصر عز الدين حريكة الشاب السوداني على مقولته: “من يحلم هنا مجرم، وإن ثبتت براءته”، التي تأتي متزامنة مع احتفال العالم بيوم (الشباب)، يرسم حريكة وهو من شباب حزب المؤتمر السوداني صورة قاتمة لأوضاع الشباب السودانيين الراهنة دون أن يفصلها عن الواقع العام للبلاد الواقعة بين النهرين. بالنسبة لعز الدين فإن الأوضاع المتعلقة بغياب فضيلة الاستقرار السياسي وتفشي النزاعات والحروب ألقت بظلالها السالبة على أوضاع الشباب، وبالتالي جعلت حتى التفكير في الحلم بواقع أفضل جريمة.
يبدو توصيف حريكة لواقع الشباب السوداني مدخلاً رئيساً للتنقيب في الأوضاع الشبابية في البلاد، تؤكد الإحصائيات الرسمية أن ما يزيد عن حوالى 60 % من سكان السودان من فئة الشباب، وهو ما يعني أننا أمة شابة لكن الوقوف عند الرقم دون حسابات التأثير الفعلي لهذه الفئة على مسارات الوطن يبدو أمراً بلا قيمة. يقول محمد إبراهيم طالب جامعي تعليقاً على الرقم: “نحن أمة شابة يحدد مصيرها الشيوخ”. ويشير الطالب هنا إلى ما يسميه ضعف الدور المتاح للشباب من أجل التحرك لإعادة البوصلة بما يتماشى والمضي نحو المستقبل، يقول إن الشباب مغيب بفعل فاعل من التأثير في تحديد مستقبل وطنه. وكمن يحاول إثبات صحة فرضيته يقول محمد إن هناك ما يزيد عن المائة حزب دون أن تجد واحدا يقوده شاب أقل من الثلاثين عاماً، نحن ما نزال ننتظر مصيرنا المرسوم في أوراق من هم قد تجاوزوا خريف العمر من أداروا البلاد في ستينيات القرن الماضي، هم من يسعى الآن لإدارتها وبعد ستين عاماً! ألا يدعو هذا الأمر للتعجب؟!
لكن هل تبدو مشكلة الشباب السوداني فقط في كونه مغيبا عن الفعل السياسي؟ أم أن ثمة قضايا أخرى تظل هي من تمسك بتلابيبه وتمنعه التأثير، وبالتالي تمنعه حق المساهمة في إعادة بناء الوطن؟ يمكنك الإشارة هنا إلى مجموعة من الإشكاليات التي تعترض الشباب السوداني وهو يسعى من أجل وضع قدمه في بداية طريق تحقيق أحلامه. يقول أحدهم وهو يبحث له عن طريق يغادر من خلاله البلاد: كيف لي أن أحلم دون أن أجد عملا في بلادي على مدى خمس سنوات وأنا أحمل شهاداتي ولا جديد سوى ارتفاع حدة (العطالة) بين الشباب، والتي تفتح في المقابل الأبواب أمام توظيفهم في أشياء تقود للهدم، ربما على رأسها أن جل من يحملون السلاح الآن يمكن التعبير عنهم بأنهم من فئة الشباب، والحرب تمثل عاملا حاسما من عوامل تراجع أدوار الشباب سواء من خلال المشاركة فيها أو من خلال مساهماتها في تعطيل مشاريع التنمية، وبالتالي توفير وظائف تنجيهم من سيف العطالة المسلط على رقابهم، لكن لا تبدو قضية العطالة والاستخدام في الحرب هي أس المشكلات للشباب السوداني، فثمة أزمة أخرى تبدو أكثر خطورة وهي تلك المتعلقة بالمخدرات، فالإحصايئات في ما يتعلق بالتعاطي وسط الشباب تبدو مخيفة لحد كبير وهي الأرقام التي يرجع المتخصصون ازديادها لذات ظروف الحرب وعدم وجود المواعين التي بإمكانها استيعاب قدرات الشباب السوداني وعلى مستويات متعددة.
الإحباط سيد الموقف في ما يتعلق برؤية كثير من الشباب السوداني لما يمكن أن يأتي به الغد. يقول حريكة وهو يصف ما يعيشه جيله الشاب: “نحن الآن نعيش تاريخا فاصلاً، يمكنه أن يحدد سوداناً أو لا سودان.. أي أن يعود السودان ليكون مجرد تعبير جغرافي كما كان قبل ثلاثة قرون. لا دولة ولا مجتمع ولا ثقافة، بل رقعة على الأرض يسكنها أناس يتميزون بسمرة أو سواد بشرتهم، يوصفون بلونهم وأشكالهم وليس بإنجازاتهم وإبداعاتهم. فقد انتظرنا التاريخ طويلا أن نغير ما بأنفسنا، وصبرنا على إضاعتنا للفرص. بل كرر نفسه رغم أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مأساة أو كارثة”. ويدعم حريكة رؤيته من خلال ما يدور في الساحة الآن من استمرار حالة الاحتراب مقرونة بالحالة الاقتصادية المنحدرة للخلف والمرتبطة بالصراع الدائر في جنوب السودان ومآلاته على دولة السودان، مقروناً كل ذلك مع عوامل أخرى تقلل حتّى من ارتفاع الأحلام عند الآخرين في واقع يبدو أفضل من الذي مضى. يكمل الشاب أنه ليس بإمكانك أن تخلق حالة من الفصل بين واقع البلاد عموماً وبين واقع الشباب الذين ما زالوا يتمسكون بالبقاء بين جنباتها.
تهميش وعطالة وحرب وأزمات اقتصادية طاحنة تعيشها البلاد هي صورة واقع الشباب في البلاد الآن بحسب توصيفهم لواقعهم المعاش أو هكذا عبر من فوقهم اليوم العالمي لهم، وربما سؤال يبدو حاضراً الآن يتعلق بما يمكن فعله لإنقاذ هذا الجيل، في المقابل فإن شابا آخر يرسم صورة مغايرة لواقع شباب السودان، هو رئيس الاتحاد الوطني للشباب السوداني بولاية الخرطوم، علاء الدين محمد أحمد، الذي يرسم صورة جميلة لواقع الشباب السوداني مقارنة بالشباب في المنطقة من حولنا. علاء الدين يشير لمجموعة المبادرات الشبابية الناجحة، كما أنه يقول إن الشباب الآن بات يجد مكانه في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، هذا بالإضافة للمبادرات الخاصة التي حققت نجاحاً منقطع النظير.
وبالعودة لجريمة أن تحلم التي تحدث عنها حريكة في بداية كلامه، فهي تبدو واقعية لأقصى درجة، فمعظم الشباب السوداني الآن يحلم بشيء واحد، وهو الطريق المؤدي لمغادرة الوطن، وهو الطريق المحفوف بالموت والذي توضحه أسماء الضحايا وهم يغرقون في سفن الموت.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي