السودان الان

الصفر البارد // جلال الدين محمد إبراهيم ( وَفِرْعَوْنُ ذُى الْأَوْتَادِ )

مصدر الخبر / جريدة التيار

 

 

ما من حاكم طاغية مثل فرعون إلا وضع لحكمه (أوتادا ) و المقصود بالأوتاد هي جمع (جمع وَتَدْ )، و الوَتَدُ هو ما يشبه المسمار،، وكل شيء له راس حاد من جانب مدبب و مخروط الشكل ليكون في الطرف الآخر ضخم الحجم ،، والوتد هو الذي يثبت به شيء آخر حتى لا يزول أو يتحرك  ،

ونتمعن في عبارة ( الأوتاد ) فقد علمنا الله عبر القرءان الكريم بأن كل ما يتطلب التثبيت يجب أن يكون له أوتاد ، وقول الله سبحانه وتعالى في سورة النبأ  (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا  )  إشارة ومعلومة بأن لا شيء عظيم يثبت إلا بموجب أحكام التثبيت وبقدر حجم الشيء المراد تثبيته ، يكون حجم وقوة  الأوتاد المطلوبة للتثبيت .

فمثلاً راعي الأغنام لا يحتاج لأكثر من ( كلب وعصاة )  ليحرك قطيعاً من الأغنام ( ماعز + ضان + ابقار + الخ ) وربما  قد يبلغ ألف رأس من الماشية ، إذاً أوتاد حكمه على الماشية لا تتطلب أكثر من ( كلب وعصاة  )  وفي بعض الأحيان يلقم الشاة القاصية حجراً لتعود إلى القطيع .

ولذلك تختلف نوعية الأوتاد من طاغية إلى طاغية آخر ، فلكل الطغاة أفكار تختلف في نوعية وحجم وقوة الأوتاد التي يستخدمونها ،، ولكن يتفوقون في إلزامية وضع أوتاد لحكمهم الطاغي ،، فمنهم من يستعين بالمنتفعين ويجعل منهم أوتاداً ومنهم من يستعين بكل أفاك ومنافق ولص وقاتل ومجرم ومنهم من يستعين بالسحرة والمشعوذين ،، المهم في الأمر هو يصنع لنفسه حاشية تلتف حوله وتهتف له بالبقاء وطول العمر في الحكم.

،،وكل حاشية الطاغية هي حاشية ذات ارتباط بمصلحة شخصية لهم ،، لتلتف وتهتف له وتركض خلفه مثل الكلاب وهي تلهث من أجل (عطاء من لا يملك لمن لا يستحق )  ،، وتحشد له في المناسبات العامة الناس والرجرجة والدهماء لتظهر قوته وحجم أتباعه من الشعوب ،،و تلك الحاشية مهمتها الأولى هي أن تحافظ على حكمه من الزوال ،،ومنهم من يصنع قوة  رادعة باطشة للشعوب ليزيد قهرها وكبتها ليظل في سدة الحكم ،، ويكون فساد الطاغية دوماً لصالح حاشيته ممن له مصلحة من انتشار الفساد لمنفعته الشخصية في المقام الأول .

ودوماً هنالك من يستغل فساد الطاغية لينشر فساداً أشد مفسدة باسم الحاكم الطاغية ويلبس فساده ثوب الطاغية ،، ويدع إنما هو مجرد ( عبد المامور ) ينفذ ما يطلب منه ،، بينما هو من يصنع الاستشارات للطاغية ليمعن في إصدار قوانين  المفاسد والمنافع الشخصية للحاشية الفاسدة ،، ،،ويدس في الفساد لمآربه الخاصة ويقع في لعنتها الحاكم الطاغية .

ولذلك أكثر الناس حرصاً على الطاغية هم أولئك المنتفعين من الطاغية ، وكل ما زاد عدد المنتفعين ،، زادت نسبة انتشار الفساد ، حتى يعم الفساد ، فلا يكون في دولة حكم الطاغية من موضع إلا وانتشر فيه الفساد ،،،  و الفساد هو إكسير حياة استمرار حاشية الحاكم الفاسد في الالتفاف حوله بكل نفاق ،، ولا يحمي الفساد إلا من هو أشد من الحاكم مفسدة ونفاقاً وفساداً في الحياة ،، ودفاع البعض من أجل استمرار حكم الطغاة على الشعوب ،، هي ليس من أجل الحاكم الطاغية ،، بل من أجل استمرار مصالح التابعين له في الفساد و استغلالهم لمناصبهم في المواقع الحساسة لتمرير منافع خاصة ،، والخوف والرعب الأكبر في قلوبهم يكون من محاسبتهم القاسية إذا تم عزل الحاكم الطاغية وجاء حاكمٌ عادلٌ يبحث لهم في الملفات ،، وهذا هو أكبر هاجس الحاشية الفاسدة .

والمثل السوداني الشعبي يقول ( كل كلب يهوهو حرصاً على ضنبو ) ا هو مثل ينطبق على حاشية الحاكم الطاغية في كل مكان وزمان ،، فما من صياح وهتاف ودعم وحشد تقوم به الفئة الفاسدة من حاشية الطاغية ،،إلا حرصاً على أنفسهم ، وإنما الطاغية بالنسبة لهم لا يساوي غير( بعرة في ذيل كبش وذلك الكبش يمشي ) فقد تحول الطاغية بالنسبة لهم إلى ( مغفل نافع  )

وغالباً تصل البلاد التي تحكم بهذا الأسلوب لمرحلة لا يستطيع حتى الطاغية أن يحارب الفساد فيها ، لأنه يقع تحت تهديد حاشيته من المقربين ممن استمرأ وعشق وعشق الفساد ونهب أموال الناس بالباطل باسم الحاكم الطاغية ، فيصبح الحاكم الطاغية وإن رغب في الإصلاح والتوبة ،، يصبح في خطر ممن اختارهم بنفسه ويده ليكون له جنود مجندون لطغيانه في بداية طغيانه وتجبره على العباد ،

فهم يريدون استمرار الفساد وعدم المحاسبة ، ولذلك من مصالحهم المحافظة على الطاغية ( القفة )  وإن أراد التوبة فلا مجال له أن يتوب ، طالما هم يخشون من خلف توبته أن تتم محاسبتهم حساباً عسيراً .

وفي بعض الأحيان إذا استشعروا بأن الطاغية عازم ومُصر على التوبة ، جهزوا له بديلاً بشكل سري ،، وفي الخفاء ،، ويكون أشد فساداً منه ،، وأعدوا للبديل أوتاداً أقوى بدعم من حاشية متجددة وأكثر انتشاراً بين الناس وأشد تثبيتاً و تنكيلاً بالشعوب ومفسدة من تلك الحاشية التي كانت مع الطاغية الذي يرغب في التوبة ، ثم في غفلة من الرأي العام ،، يتم التخلص منه بصورة سرية ،،،فقد انتهت مهمته وماكان هو إلا مجرد حاكم صوري ( ديكوري ) ومجرد مغفل نافع ) – من أرشيف الكاتب

 

 

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة التيار